غذاء ومناخ
باتت الأراضي العربية المنتجة للغذاء تحت حصار العديد من الأعداء، بدءًا بتغير المناخ مرورًا بالمخاطر الطبيعية إلى النزاعات المستمرة، وفق الممثلة الإقليمية بالإنابة لبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية بالمكتب الإقليمي للدول العربية، رانية هدية.
وقالت هدية، في مقال تلقت منصة “غذاء ومناخ” نسخة منه اليوم الإثنين 17 فبراير/شباط 2025: ” يؤدي تغير المناخ والمخاطر الطبيعية إلى تأثيرات بيئية تجعل الأراضي غير صالحة للسكن أو للزراعة، بينما تؤدي النزاعات إلى تدمير المساكن والبنية التحتية، وتلوث الأراضي وتدهورها، وتُسبب النزوح الجماعي، ما يدفع السكان بعيدًا عن المناطق المنتجة للغذاء”. وأضافت: ” باعتبارها موردًا طبيعيًا حيويًا وحجر الأساس في الإسكان، فإدارة الأراضي تعد عاملًا مؤثرًا في الأزمات، وضحية لها أيضا، ولكن إذا جرى إدارتها جيدًا، يمكن أن تكون الأراضي أساسًا لتعزيز القدرة على الصمود”.
وترى هدية أن الحوكمة الرشيدة للأراضي تؤدي دورًا حيويًا في تحقيق الأمن الغذائي، وتوفير السكن الملائم، وتعزيز القدرة على التكيف مع المناخ، فضلاً عن دعم جهود التعافي بعد الكوارث والنزاعات، وتعزيز السلام والاستقرار.
المؤتمر العربي الثالث للأراضي
لبحث التحديات التي تواجه الأراضي المنتجة للغذاء في المنطقة العربية، يلتقي صانعو السياسات والباحثون والمجتمع المدني في المغرب غدًا الثلاثاء، في المؤتمر العربي الثالث للأراضي، لمناقشة الاستراتيجيات التي تعالج المشكلات الأكثر إلحاحًا.
وسيجري توثيق الالتزامات في إعلان المؤتمر، والذي سيشكل خارطة طريق للعمل المستقبلي. “ويمكن أن تكون الأرض ركيزة للسلام والاستقرار والصمود – إذا أوليناها الأولوية”، وفق هدية.
وقالت هدية، إنه لا يزال الوصول إلى الأرض لتوفير السكن الملائم يمثل قضية ملحة في المنطقة العربية، إذ يؤدي التوسع العمراني غير المخطط ونمو المستوطنات غير الرسمية إلى ضغط كبير على الخدمات والبنية التحتية والمرافق الحضرية المحدودة.
لذلك تُعد الإدارة المستدامة للأراضي الحضرية شرطًا أساسيًا للتنمية الحضرية المستدامة والنمو الحضري المنظم والمدعوم بالخدمات.
وأضافت هدية، في المقال، أن المدن تؤدي دورًا كـ “صمامات أمان” للأشخاص الذين نزحوا بسبب النزاعات أو تغير المناخ أو الكوارث الطبيعية، إلا أن احتياجات النازحين غالبًا ما تتعارض مع احتياجات الفئات الحضرية ذات الدخل المنخفض. لذلك ستكون الإدارة الفعالة للأراضي الحضرية، بما في ذلك الاستخدام الأفضل للمساكن والأراضي العامة الشاغرة، أمرًا بالغ الأهمية لضمان استمرار المدن في كونها محركات للتنمية المستدامة والازدهار.
وتشكل النزاعات سببًا رئيسًا للنزوح وتدمير الأراضي والمساكن في المنطقة العربية. وعلى سبيل المثال، هُجّر أكثر من 1.9 مليون شخص، ما يعادل أكثر من 90% من سكان غزة، قسريًا، منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، مع تدمير أو تضرر 68% من الأراضي الزراعية، و92% من الوحدات السكنية. ولا يختلف الوضع كثيرًا في السودان، إذ نزح أكثر من 12.4 مليون شخص قسرًا منذ أبريل/نيسان 2023، ما يبرز التأثير المدمر للنزاع على إمكانية الوصول إلى الأرض والمأوى.

ومع ذلك، يمكن أن تكون الأرض -أيضًا- حجر الأساس لحلول مستدامة للنزوح، وفق هدية، والتي تابعت أن ذلك سيحدث من خلال تبني نهج مبتكر واستخدام التكنولوجيا، يمكن للنازحين تأمين حقوقهم في الأراضي، وفي بعض الحالات، العودة إلى منازلهم.
على سبيل المثال، في العراق، استخدم موئل الأمم المتحدة أداة رقمية لتوثيق الأراضي والممتلكات لدعم الحكومة في تسجيل المطالبات العقارية، ما أسهم في الاعتراف القانوني بملكية الأراضي، وساعد الإيزيديين النازحين على استعادة أراضيهم بعد حرمانهم منها لمدة تقارب الـ 50 عامًا.
وطُبق نهج مماثل للاجئين السوريين في لبنان والعراق. فمنذ عام 2020، يعمل موئل الأمم المتحدة على توثيق مطالبات الإسكان والأراضي والممتلكات للسوريين، ما يساعد في الحفاظ على الأدلة ومنع المزيد من الخسائر في الوثائق العقارية، إضافة إلى توفير أساس قوي لمبادرات التعويض والاستعادة المستقبلية في سوريا. وتعد هذه الجهود الآن ضرورية لدعم العودة والتعافي وإعادة الإعمار.
تدهور الأراضي العربية المنتجة للغذاء بسبب المناخ
تؤثر أزمة المناخ في الأراضي العربية المنتجة للغذاء. وتعاني المناطق الساحلية في الدول الواقعة على شبه الجزيرة العربية وعلى طول البحر الأبيض المتوسط من تآكل الأراضي التدريجي، في حين تتعرض المناطق الأكثر جفافًا لموجات متزايدة من الجفاف والتصحر وتدهور الأراضي، حيث تأثر 73% من الأراضي الزراعية النادرة بالتدهور. وتزداد الظواهر الطبيعية المتطرفة، مثل الفيضانات، من حيث الشدة والتكرار، وفق هدية.
ويؤدي ذلك إلى فقدان المنازل ومصادر كسب العيش ثم النزوح الجماعي. على سبيل المثال، في سبتمبر/أيلول 2023، تسببت العاصفة دانيال في فيضانات كارثية في شرق ليبيا، ما أسفر عن خسائر في الأرواح ونزوح 52 ألف شخص، كان 45% منهم في مدينة درنة الساحلية. كما تشير التوقعات إلى أن ارتفاع مستوى سطح البحر بمقدار 0.5 متر يمكن أن يؤدي إلى نزوح 2-4 ملايين شخص في مصر بحلول عام 2050.
وترى هدية ان تلك التحديات تفرض ضرورة تطوير تدابير تكيف فعالة، مثل التخطيط العمراني المستند إلى تقييم المخاطر، والبنية التحتية المقاومة للمناخ، والإدارة المستدامة للمياه والأراضي، وإعادة التوطين المخطط له، والتكيف الحضري. وقالت: “يجب على صانعي السياسات إدراك أن قرارات استخدام الأراضي يمكن أن تخفف أو تفاقم آثار تغير المناخ”.
واعتماد الدول العربية بشكل كبير على واردات الغذاء، يجعل الحفاظ على الأراضي الزراعية القائمة أمرًا ضروريًا لضمان الأمن الغذائي الإقليمي. وفي سياق النزاعات وتغير المناخ والأزمات الأخرى، يصبح حماية الأراضي الزراعية أمرًا بالغ الأهمية.

كما أن تمدد المدن على الأراضي الزراعية، إضافة إلى الجفاف والتصحر وتدهور الأراضي تؤثر سلبًا في القدرة على زراعة المحاصيل، ما يدفع الناس إلى مغادرة المناطق الريفية. وتحد النزاعات من الإنتاج الزراعي بسبب تقييد الوصول إلى الأراضي الزراعية، وتلويث مخلفات الحرب للأراضي، ما يجعلها غير آمنة أو غير صالحة للزراعة لسنوات طويلة.
وعلى سبيل المثال، في أوائل عام 2024، لم يتمكن 26% من المزارعين في جنوب لبنان من الوصول إلى حقولهم بسبب النزاع، ما أدى إلى انخفاض بنسبة 22% على الأقل في إنتاج الزيتون في المنطقة.