غذاء ومناخ
يسهم الاستخدام غير الكفؤ للمياه في الزراعة، إضافة إلى عدم التعاون بين الوزارات المعنية في الحكومة الواحدة، خاصة المياه والزراعة والطاقة والبيئة، والتي تعمل بشكل منعزل في إدارة مصادر المياه في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هشاشة أنظمة الغذاء والمياه.
وتستهلك الزراعه أكثر من 80% من موارد المياه العذبة المتاحة في المنطقة. ويُفقد جزء كبير من هذه المياه بفعل التبخر والتسرب نتيجةً لتقادم البنية التحتية للري، وفقًا لتقرير صادر عن 3 باحثين من منتدى البحوث الاقتصادية.
وأشار الباحثون، في تقرير حديث صادر عن المنتدى، الذي يتخذ من القاهرة (عاصمة مصر) مقرًا له، إلى أن دول المنطقة تُصنّف حاليًا على أنها تعاني من ندرة المياه.
ويتفاقم تغير المناخ، ويؤدي إلى تصاعد موجات الجفاف، ونضوب المياه الجوفية، والظواهر الجوية المتطرفة، ما يهدد مصادر المياه في الشرق الأوسط والإنتاجية الزراعية على حد سواء.
لذلك يتساءل باحثو منتدى البحوث الاقتصادية، عن كيف يمكن لحكومات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تأمين الموارد الأساسية كالمياه والغذاء في مواجهة ضغوط المناخ المتصاعدة والاضطرابات الجيوسياسية. وجاء الجواب من: عريان غلامي، الخبير الاقتصادي المتخصص في أمن الطاقة والسياسات البيئية والتنمية المستدامة، ونرجس محمودبور، الخبيرة الاقتصادية المتخصصة في سياسات الطاقة والبيئة، وبروانة طباطبائي، الخبيرة الاقتصادية في مجال الطاقة ذات الخلفية متعددة التخصصات في الهندسة الكيميائية والاقتصاد القياسي والذكاء الاصطناعي، وفقًا للتقرير الذي تلقت منصة “غذاء ومناخ” نسخة منه.
هشاشة موارد المياه في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
تشير الدلائل الحديثة إلى أن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يقترب من نقطة تحول، إذ لا تمتلك المنطقة سوى 1-2% من المياه العذبة المتجددة، ومع ذلك تُغذي أكثر من 6% من سكان العالم، وفق باحثي منتدى البحوث الاقتصادية.
وتُصنف معظم دول المنطقة حاليًا على أنها تعاني من ندرة المياه. وتشير التوقعات المناخية إلى تفاقم الجفاف ونضوب المياه الجوفية والظواهر الجوية المتطرفة، ما يهدد كلاً من توافر المياه والإنتاجية الزراعية.
كما أن النظم الغذائية في المنطقة هشة بالقدر نفسه، حيث تستورد أكثر من نصف الأغذية، ما يجعلها معرضة بشدة لصدمات السوق العالمية.

ورغم أن انعدام الأمن الغذائي غالبًا ما يُصوَّر على أنه مصدر قلقٍ للأمن القومي، غالبًا ما يُعالَج من خلال إصلاحاتٍ سياسيةٍ قصيرة الأجل، أو دعمٍ مالي، أو وارداتٍ طارئة، بدلًا من إصلاحاتٍ شاملةٍ للزراعة المحلية وسلاسل التوريد.
من العوامل المساهمة في هذا الضعف الاستخدام غير الكفؤ للمياه في الزراعة، التي تستهلك أكثر من 80% من موارد المياه العذبة المتاحة.
وفي الوقت نفسه، تمنع هياكل الحوكمة المجزأة التخطيطَ المنسق. وغالبًا ما تعمل الوزارات المسؤولة عن المياه والزراعة والطاقة والبيئة بشكلٍ منعزل، ما يُؤخر الاستجابات المتكاملة ويُحدّ من الابتكار، وفقًا لباحثي منتدى البحوث الاقتصادية.
ومما يُفاقم التحدي الحساسية السياسية تجاه تسعير المياه. فالعديد من الدول تُقدِّم دعمًا كبيرًا للمياه، مما يُصعِّب الاستثمار في البنية التحتية الحديثة أو تطبيق معايير الكفاءة. وفي الوقت نفسه، يُواصل التوسع الحضري والنمو السكاني زيادة الطلب على المياه والغذاء والطاقة، مما يُرهق الموارد الشحيحة أصلًا.
مشروعات المياه في الشرق الأوسط
في السنوات الأخيرة، أطلقت عدة دول مشروعات لإنتاج المياه في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ مثل محطات تحلية المياه بالطاقة الشمسية، وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة، وأخرى تجريبية للري الدقيق.
إلا أن هذه الجهود لا تزال محلية، وغالبًا ما تعاني من نقص التمويل أو منفصلة عن أهداف السياسات الأوسع. ونادرًا ما تستفيد المناطق الريفية، حيث غالبًا ما تكون آثار ندرة المياه والغذاء أكثر حدة، من هذه الابتكارات، وفق باحثي منتدى البحوث الاقتصادية.
وتُقدم الدروس المستفادة من مناطق أخرى رؤى مفيدة. على سبيل المثال، في دراستي المقارنة لتحولات المباني الخضراء في اليابان وتايوان وتايلاند، وجدتُ أن الإصلاحات البيئية الناجحة تشترك في 3 سمات: أهداف وطنية واضحة ومحددة زمنيًا، ومنصات تنسيق قوية بين الوزارات، وأنظمة شفافة للرصد والإبلاغ متوافقة مع المعايير البيئية والاجتماعية ومعايير الحوكمة.
ويمكن تكييف هذه المبادئ مع سياق منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدعم النهج المتكاملة للأمن المائي والغذائي.

وأوصى الباحثون بعدة إجراءات منها: اعتماد معايير وطنية قابلة للقياس، إذ ينبغي على الحكومات وضع أهداف مُلزمة لكفاءة استخدام المياه وإنتاج الغذاء محليًا، مع ربط هذه المعايير بمخصصات الميزانية، ومتابعتها بانتظام، والإبلاغ عنها علنًا لتعزيز المصداقية.
كما حثوا على الاستثمار في بنية تحتية مرنة وشاملة، وتعزيز التعاون الإقليمي في مجال حوكمة المياه العابرة للحدود.
وتعبر أنهار مثل الفرات والنيل ودجلة الحدود، وتتطلب الإدارة الفعالة أطرًا إقليمية تُسهّل الحوار والتخطيط المشترك وأنظمة الإنذار المبكر لتجنب النزاعات.
ويرى الباحثون أن تغير المناخ لا يمثل العامل الوحيد وراء أزمة الغذاء والمياه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بل هو عامل مُضاعِف لنقاط الضعف القائمة، وبدون إصلاحات حاسمة، قد تُقوّض هذه الضغوط التنمية، وتُغذّي الهجرة، وتُعمّق عدم المساواة. ولكن إذا عُولجت بشكل استباقي، فإنها تُتيح فرصة للتحول وبناء القدرة على الصمود.

