غذاء ومناخ
أدت عقود من إزالة الغابات في سومطرة، إضافة إلى التعدين والمزارع وتجفيف الأراضي الخثية، إلى عجز مستجمعات المياه عن استيعاب الأمطار الغزيرة، ما حوّل الظواهر الجوية المتطرفة مثل الأمطار الغزيرة إلى كارثة ذات خسائر بشرية فادحة.
وسومطرة جزيرة تقع غرب إندونيسيا، وهي من أكبر جزر العالم، وتطل على المحيط الهندي، ويفصلها عن شبه جزيرة الملايو وماليزيا مضائق، كما يمر خط الاستواء تقريبًا في منتصفها، ما يمنحها مناخًا استوائيًا حارًا ورطبًا.
وتعرضت سومطرة مؤخرًا إلى فيضانات، قتلت مئات الأشخاص، وكانت بمثابة واحدة من أسوأ الكوارث التي تضرب الجزيرة، ولا سيما آتشيه في طرفها الغربي، التي كانت قد دُمّرت بفعل تسونامي عام 2004.
وبسبب إزالة الغابات في سومطرة، فقدت الجزيرة ملايين الهكتارات من الغابات منذ عام 2001، ما زاد من جريان المياه السطحية، وضرب استقرار المنحدرات، وضاعف من حدة الفيضانات والانهيارات الأرضية عند هطول الأمطار الغزيرة.
كما أدى تجفيف الأراضي الخثية (الرطبة) إلى خلق خطر فيضانات خفي ومتفاقم، فالقنوات المحفورة للمزارع تسبب جفاف التربة الخثية وضغطها، مما يؤدي بدوره إلى هبوط الأرض وتحويل المناظر الطبيعية التي كانت تحتفظ بالمياه إلى مناطق منخفضة معرضة للفيضانات الداخلية والساحلية المزمنة.
والتوسع الحضري في السهول الفيضية وأحواض التصريف المتدهورة يعني أن حتى العواصف النادرة باتت تُهدد المزيد من السكان والبنية التحتية، مما يُدخل جزءًا كبيرًا من سومطرة في دوامة من الكوارث ما لم تتغير إدارة استخدام الأراضي، وفقًا لتقرير اطلعت عليه منصة غذاء ومناخ.
إزالة الغابات في سومطرة وكل إندونيسيا
حرصت الحكومة الإندونيسية على التأكيد على أن الكارثة الأخيرة في سومطرة نجمت عن حدث مناخي نادر، فقد تشكل إعصار سينيار في مضيق ملقا، وهي منطقة تُشير فيها وكالة الأرصاد الجوية الوطنية إلى أن مثل هذه العواصف “ظاهرة نادرة للغاية”، قبل أن يُمطر بغزارة على آتشيه وشمال سومطرة وغرب سومطرة.
ويقول خبراء الأرصاد الجوية إن تفاعل إعصارين ربما يكون قد تسبب في هطول أمطار قياسية على أجزاء من الجزيرة، ويتوخى العلماء الحذر في ربط أي عاصفة منفردة بتغير المناخ.

بدأ المسؤولون أنفسهم بالتصريح علنًا بما كان يُخفى، فقد صرّح وزير الغابات، راجا جولي أنتوني، أمام البرلمان بأن “سوء إدارة الغابات” قد فاقم الكارثة، ووعد بـ”مراجعة إدارة الغابات، والنظر في تعليق إصدار التصاريح الجديدة، وإلغاء تراخيص المخالفين”، وفقًا لوكالة رويترز.
وعلّق وزير البيئة، حنيف فيصل نورفيق، تصاريح العديد من الشركات في حوض باتانغ تورو، وحذّر من إمكانية اتخاذ إجراءات جنائية في حال ثبوت المخالفات.
وفقدت سومطرة ما يُقدّر بنحو 4.4 مليون هكتار من الغابات منذ عام 2001، ويُقدّر المنتدى الإندونيسي للبيئة (والهي) أن 1.4 مليون هكتار من الغابات في آتشيه وشمال سومطرة وغرب سومطرة قد أُزيلت بين عامي 2016 و2025 فقط، وكان معظمها لأغراض التعدين وزيت النخيل ولب الخشب.
انحسار مياه الفيضانات
عندما انحسرت مياه الفيضانات، أظهرت صور انتشرت على نطاق واسع كيف يُشكّل إزالة الغابات في سومطرة على نطاق واسع آثار الكارثة على أرض الواقع: منازل مُدمّرة بفعل جذوع الأشجار، وضفاف أنهار مُغطّاة بالأخشاب المقطوعة، ومنحدرات بأكملها جُردت من غطائها النباتي.
وكان إعصار سينيار حدثًا نادرًا بشكل استثنائي في سومطرة، لكن حجم الدمار لا يمكن تفسيره بالطقس وحده.
وقالت المسؤولة في المنتدى الإندونيسي البيئي رياندا بوربا، لوكالة أسوشيتد برس: “لم تكن الكارثة مجرد غضب الطبيعة، بل تفاقمت بفعل عقود من إزالة الغابات. يضم حوض باتانغ تورو، أحد أكثر المناطق تضررًا، الآن مشروعات للطاقة الكهرومائية، ومنجم ذهب رئيس، ومزارع في ما كان يُعرف سابقًا بغابة مطيرة جبلية متصلة”.

والآليات الفيزيائية مفهومة جيدًا، فالغابات السليمة تُبطئ هطول الأمطار، وتُثبت التربة في مكانها، وتسمح بتسرب المياه إلى باطن الأرض بدلًا من اندفاعها بقوة على السطح، وعندما تُستبدل الغابات بالطرق والحفر ومزارع المحاصيل الأحادية، تفشل هذه الوظيفة الإسفنجية. ويصف محللون في مقال نُشر في موقع (ذا كونفرساشن) كيف أن النظام البيئي في الأحواض المتدهورة “يفقد قدرته الطبيعية على العمل كإسفنجة”، ما يؤدي إلى تحول الأمطار الغزيرة بسرعة إلى جريان سطحي مدمر ومنحدرات غير مستقرة.
وقد ظهر هذا النمط بوضوح في الجزء الغربي من باتانغ تورو، حيث تُظهر صور الأقمار الصناعية آلاف الهكتارات من الغابات التي حُوّلت، ثم جرفتها الانهيارات الأرضية أثناء العاصفة، وفق تقرير “ذا مونغابي“.

