غذاء ومناخ
يتوقع نموذج ذكاء اصطناعي في دراسة أوروبية حديثة أن أزمات غذاء قد تواجه 1.1 مليار شخص بحلول عام 2100، بسبب الآثار المباشرة وغير المباشرة لتغير المناخ.
ويُظهر تحليل المناخ، في دراسة أجراها مركز الأبحاث المشتركة(جيه آر سي) التابع للاتحاد الأوروبي ، ونُشرت في مجلة “ساينتفك ريبورتس”، أن الصراعات وعدم المساواة الناجمتين عن تغير المناخ، قد تُضاعف احتمالية التعرض لأزمات غذائية بأكثر من 3 أضعاف بحلول نهاية القرن، مقارنةً بسيناريوهات اتباع نهج الاستدامة والتخفيف.
وتكشف الدراسة، التي اطلعت عليها غذاء ومناخ”، اختلافاتٍ صارخة في مستقبل الأزمات الغذائية تبعًا للمسارات الاجتماعية والاقتصادية.
وتُشير النتائج إلى أنه بحلول عام 2100، قد تُعرّض سيناريوهات الصراعات وعدم المساواة أكثر من 1.1 مليار شخص – بما في ذلك أكثر من 600 مليون طفل، معظمهم في أفريقيا وآسيا – لأزمات غذائية حادة.
في المقابل، يمكن للمسارات المستدامة أن تقلل من المخاطر إلى أكثر من النصف، مما يُبرز كيف تُحدد الخيارات السياسية ما إذا كان مئات الملايين سيواجهون أزمات غذاء أم أن عددًا أقل بكثير سيتأثر.
أزمات غذاء متوقعة وفق بيانات الحرارة وهطول الأمطار
يستطيع نموذج الذكاء الاصطناعي الجديد التنبؤ بالأزمات الغذائية بالاعتماد على المناخ فقط.
وتستند هذه التوقعات إلى نموذج ذكاء اصطناعي قوي – طوره المؤلف – قادر على تحديد بداية أزمات غذاء حادة جديدة بالاعتماد فقط على بيانات درجة الحرارة وهطول الأمطار.
وجرى تدريب النموذج واختباره على مجموعة بيانات ضخمة من بيانات انعدام الأمن الغذائي الحاد التاريخية للمدة 2010-2022، والمستقاة من شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة (فيوز نت).

ووفق الموقع الإلكتروني للاتحاد الأوروبي، تؤكد الدقة العالية للنموذج فكرة أن المناخ يؤدي دورًا رئيسًا، إن لم يكن الدور الأهم، في الأمن الغذائي، ليس فقط من خلال التأثيرات المباشرة الواضحة – مثل الجفاف الذي يُقلل من غلة المحاصيل – ولكن أيضًا من خلال مسارات غير مباشرة وأكثر تعقيدًا، عن طريق تعديل، على سبيل المثال، عوامل الصراع والهجرة والأمراض.
والاعتماد فقط على بيانات مناخية متاحة على نطاق واسع، يوفر هذا النموذج أداة قابلة للتطوير لاستكشاف سيناريوهات أزمات غذاء طويلة الأجل، على عكس النماذج التقليدية التي تتطلب مدخلات اجتماعية واقتصادية واسعة النطاق.
وتُظهر بيانات شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة أن التعرض لانعدام الأمن الغذائي الحاد قد تضاعف 3 مرات تقريبًا، من ما يزيد قليلًا عن 50 مليون شخص في عام 2011 إلى ما يقارب من 150 مليون شخص بحلول عام 2020.
وعند إسقاط هذه البيانات على محاكاة المناخ المستقبلية، ودمجها مع التوقعات الديموغرافية وتوقعات الفقر المتوافقة مع مسارات التنمية الاجتماعية والاقتصادية المشتركة، الصادرة عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، يكشف نموذج الذكاء الاصطناعي عن تباين حاد في مخاطر أزمات الغذاء بحلول نهاية القرن.
اتباع نهج الاستدامة
تكشف الدراسة الأوروبية أنه في ظل اتباع مسار “الاستدامة – اتباع النهج الأخضر(إس إس بي 1)، ينخفض متوسط التعرض السنوي لأزمات غذاء بنحو 75% ليصل إلى حوالي 42 مليون شخص.
في المقابل، يؤدي سيناريو الصراع (إس إس بي 3) إلى رفع التعرض السنوي إلى نحو 280 مليون شخص، ونحو 229 مليون شخص في سيناريو عدم المساواة (إس إس بي 4)، على التوالي.
وبالمقارنة مع سيناريو (إس إس بي 1)، تُعرّض هذه السيناريوهات ما بين خمسة إلى سبعة أضعاف عدد الأشخاص للخطر، وحتى المسار الوسط(الوضع الحالي) أو (إس إس بي 2)، يزيد من احتمالية التعرض للخطر بأكثر من الضعف.
و إلى جانب المخاطر السنوية، فإن المخاطر التراكمية هائلة؛ إذ يُتوقع أن يُعاني أكثر من 1.16 مليار شخص من أزمة مجاعة واحدة على الأقل وخلال هذا القرن في ظل مسار عدم المساواة (4)، بينما يُمكن لمسار الاستدامة أن يُجنّب نحو 780 مليون شخص هذه الأزمة بحلول عام 2099.
ويتعرض للخطر الأكبر الشباب – فمعظم الأفراد المُعرّضين للخطر هم أطفال دون سن الخامسة عند أول أزمة يمرون بها)، بما يعادل نحو 630 مليونًا في ظل المسارين 3 و4، ويواجه مئات الملايين من المواليد الجدد أزمة خلال عامهم الأول (230-270 مليونًا).
وتتفاوت مخاطر أزمات الغذاء المستقبلية بشكل كبير بين المناطق. فعلى الرغم من أن النموذج يرصد مخاطر ناشئة خارج المناطق التي يجري مراقبتها حاليًا، إلا أن معظم الأزمات المتوقعة تحدث في مناطق مُعرّضة للخطر حاليًا، خاصة في أفريقيا وآسيا.
وتواجه أفريقيا أوسع نطاق جغرافي للأزمات، بينما تؤدي الكثافة السكانية العالية في آسيا إلى أعداد مماثلة من السكان المعرضين للخطر.

وفي ظل مسارات الصراع وعدم المساواة، يرتفع مستوى التعرض للخطر باطراد في القارتين، لكن في ظل سيناريوهات مستقبلية أكثر استدامة، فتختلف المسارات: إذ تشهد أفريقيا انخفاضًا ملحوظًا في مستوى التعرض للخطر بعد منتصف القرن، بينما يبقى مستوى التعرض في آسيا مستقرًا إلى حد كبير. يشير هذا إلى أن حتى المسارات المتفائلة قد تُحقق تحسينات محدودة للأمن الغذائي في آسيا مقارنةً بأفريقيا.
ولا يُؤدي تغير المناخ وحده إلى أزمات إنسانية، بل تُضاعف الظروف الاجتماعية والسياسية من حدتها. فالمجتمعات التي تُعاني من تفاوتات اجتماعية كبيرة، أو تنمية محدودة، أو تلك التي تُعاني من صراعات مستمرة، تكون أكثر عرضةً للخطر، حتى في ظل المخاطر المناخية نفسها.
