غذاء ومناخ
أوصت النسخة الجديدة من الإرشادات الغذائية للمدة 2025-2030، الصادرة مؤخرًا، بتشجيع زيادة استهلاك البروتين في في أميركا من اللحوم الحمراء، ومنتجات الألبان كاملة الدسم إلى الضعف تقريبًا، مع الترويج في الوقت نفسه لاتجاهات غذائية متطرفة وغير علمية، مثل الطهي باستخدام دهن البقر.
وجاء ذلك على الرغم من أن الإرشادات الجديدة تُشدد على الفواكه والخضراوات، كما في الإصدارات السابقة، وفقًا لتقرير اطلعت عليه غذاء ومناخ.
والمصدر الرئيس في استهلاك البروتين في أميركا، هو المزارع التقليدية، التي تتراكم فيها الملوثات السامة الناتجة عن الأعلاف التي تستخدم المبيدات الحشرية والمضادات الحيوية بكثافة، مما يُلحق أضرارًا بيئية جسيمة.
وكانت اللجنة الاستشارية لإرشادات التغذية لعام 2025، قد أوصت بإعطاء الأولوية للبروتين النباتي على الحيوني لتحقيق نظام غذائي صحي، وهو ما يعود بفوائد بيئية كبيرة، فمقارنةً بالتوفو (بروتين نباتي يعتمد على الصويا على الأرجح)، ينتج لحم البقر أكثر من 31 ضعفًا من غازات الاحتباس الحراري لكل كيلوغرام.
كما تقترح اللجنة جعل الماء النقي المشروب الأساسي، بينما تشجع الإرشادات الجديدة على تناول الحليب كامل الدسم، وينتج حليب الأبقار 315 ضعفًا من غازات الاحتباس الحراري التي ينتجها ماء الصنبور.
البقرة الواحدة تنتج نحو 264 رطلًا من غاز الميثان سنويًا
تُطلق عملية الهضم لدى الحيوانات (التجشؤ أثناء اجترارها) كميات أكبر من الميثان؛ إذ تُنتج البقرة الواحدة ما يصل إلى 264 رطلًا من الميثان سنويًا، وفق تقرير موقع “سيفيل إيتس”.
في الوقت نفسه، تلتهم مزارع التسمين وإنتاج الألبان مساحات شاسعة من الأراضي، مُلوثةً المجاري المائية ومُدمرةً موائل الحياة البرية.
ووفقًا لتقرير صادر عن وكالة حماية البيئة الأميركية عام 2025، والذي حاولت إدارة الرئيس دونالد ترمب إخفاءه، فقد أسهم السماد والتخمر المعوي (الهضم) بنسبة تُقدر بـ 36.7% من إجمالي انبعاثات الميثان البشرية المنشأ في الولايات المتحدة عام 2023.

وتحذر الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ من ضرورة خفض انبعاثات غاز الميثان بمقدار الثلث على الأقل بحلول عام 2030 لتحقيق هدف الحد من الاحتباس الحراري إلى 1.5 درجة مئوية.
غير أن الوضع في أميركا يتجه نحو عكس ذلك تمامًا، فقد ارتفعت انبعاثات غازي الميثان وأكسيد النيتروز الناتجة عن إدارة السماد بنسبة 66% و25% على التوالي، خلال المدة من 1990 إلى 2023، وجاءت هذه الزيادات المقلقة على الرغم من انخفاض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري من مصادر أخرى، مثل تعدين الفحم ومدافن النفايات والمركبات.
كما كشف تقرير مرحلي جديد صادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن أميركا متأخرة بشكل كبير عن تحقيق تعهدها العالمي بشأن غاز الميثان (الذي ساهمت في إطلاقه عام 2021).
ولمعالجة هذه المشكلة الملحة، من الضروري قياس الآثار قصيرة المدى لهذا الملوث الفائق سريع الذوبان بدقة، فعلى مدى 20 عامًا، يُعد الميثان أقوى من ثاني أكسيد الكربون بثمانين ضعفًا، لكن معظم التقديرات، بما في ذلك حسابات وكالة حماية البيئة، تستخدم إطارًا زمنيًا أضعف مدته 100 عام لقياس إمكانية الاحترار العالمي، مما يُظهر أن الميثان أكثر فعالية بمقدار 28 مرة فقط.
زيادة استهلاك البروتين في أميركا وتزييف البيانات
بينما أوصت النسخة الجديدة من الإرشادات الغذائية بتشجيع مضاعفة استهلاك البروتين في أميركا، يسعى أصحاب صناعة الإنتاج الحيواني إلى تزييف البيانات وتشويهها بشكل أكبر من خلال الترويج المضلل لمفهوم “البيئة الخضراء”.
على سبيل المثال، تمارس هذه الصناعة ضغوطًا مكثفة للترويج لمعيار جديد يقيس التغيرات في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري مقارنةً بالانبعاثات في أي سنة مرجعية مختارة، ما يعني أن مشروعًا لتربية المواشي سيُعد “محايدًا مناخيًا” إذا استمر في التلوث بمعدل السنة المرجعية، حتى إذا أظهرت انبعاثات ميثان مرتفعة للغاية.
وبموجب هذا المعيار المتساهل بشكل مفرط، ستظهر العمليات الصناعية ذات البصمة الكربونية الضخمة زورًا على أنها “محايدة كربونيًا” طالما استمرت في العمل كالمعتاد، بينما سيبدو مزارع صغير في الجنوب العالمي ملوثًا كبيرًا إذا زاد قطيعه من 15 إلى 20 رأس من الماشية.
من الحلول الزائفة الأخرى التي يروج لها قطاع صناعة الألبان تحويل روث الأبقار إلى غاز حيوي، وهي عملية جمع غاز الميثان من روث الأبقار وتحويله إلى وقود عبر الهضم اللاهوائي. وقد شجع هذا الشركات على إنتاج كميات هائلة من الروث السائل لتحويله إلى غاز.
ويُعرّض إنتاج الغاز الحيوي العاملين في الخطوط الأمامية والمجتمعات المجاورة للخطر، كما ثبت أنه يزيد من تلوث أكسيد النيتروز، ويُستبعد أن يحقق الحياد الكربوني في مجال الطاقة على نطاق واسع.

ويدّعي القطاع أنه قادر على معالجة مشكلة الروث من خلال أساليب إدارة النفايات، مثل تغطية الروث لحجز الانبعاثات واستخدامه كسماد، لكن مرافق إدارة النفايات خطرة ويصعب إدارتها، مما يُعرّضها لخطر التسرب والاختراق العرضي بشكل متكرر.
واستخدام السماد العضوي كسماد يزيد من احتمالية جريان المياه السطحية وتلوثها لاحقًا. يُعدّ السماد العضوي بالفعل مصدرًا رئيسيًا لتلوث المياه نتيجةً لتصريف المغذيات.
و يؤدي جريان السماد العضوي من مزارع الإنتاج الحيواني إلى تسرب النيتروجين والفوسفور إلى المياه السطحية والجوفية، مما يُقلل من مستويات الأكسجين في المسطحات المائية ويُنشئ “مناطق ميتة” تُؤدي إلى نفوق الكائنات المائية، وقد تُسبب ازدهارًا للطحالب السامة الضارة بالإنسان أيضًا.

