غذاء ومناخ
لا يزال مزارعو فرنسا يرفضون اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي ومجموعة ميركوسور، لذلك كرر الرئيس إيمانويل ماكرون نيته في عرقلة الاتفاقية، ولكن لماذا هذا الرفض؟
يزعم ماكرون أن الاتفاقية تهدد الزراعة الفرنسية، وتقوض المعايير البيئية، وتخلق منافسة غير عادلة للمزارعين الأوروبيين.
وقال ماكرون، خلال زيارة لمعرض باريس الزراعي، أمس السبت 22 فبراير/شباط 2025، إن فرنسا تكثف جهودها لتشكيل “أقلية معوقة” داخل الاتحاد الأوروبي؛ لمنع تنفيذ اتفاقية تجارية مع تكتل ميركوسور، وفقًا لتقرير اطلعت عليه منصة “غذاء ومناخ“.
وعلى الرغم من دفاعه في البداية عن الاتفاقية، إلا أن ماكرون سرعان ما غير رأيه، وعُد تراجعه بمثابة إجراء انتقامي ضد السياسات البيئية التي تبناها خافيير بولسونارو، رئيس البرازيل آنذاك، والتي كانت ضارة بمجهودات مكافحة تغير المناخ.
ورغم أن بولسونارو ترك منصبه، ظل ماكرون ثابتًا على موقفه بشأن هذه القضية. وخلال زيارته للأرجنتين في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، كرر ماكرون معارضته للاتفاق في شكله الحالي، قائلاً إنه سيكون “سيئًا للغاية بالنسبة لزراعتنا”.
ما هو الاتفاق الذي يخشاه مزارعو فرنسا؟
يهدف الاتفاق، الذي أعلنته رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين في ديسمبر/كانون الأول، إلى إنشاء منطقة تجارة حرة واسعة تضم أكثر من 700 مليون شخص في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي ودول ميركوسور، التي تضم: الأرجنتين والبرازيل وباراغواي وأوروغواي.
وعارض مزارعو فرنسا إضافة إلى السياسيين الاتفاقية بشدة.
وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، نشر ماكرون على منصة “إكس” بقوله: “مدافع دائمًا عن النموذج الزراعي الفرنسي، حتى يستمر مزارعونا في الإنتاج وإطعامنا، كما يعرفون جيدًا كيف يفعلون بكل حب من قلوبهم”.
كما وقع أكثر من 600 برلماني فرنسي على رسالة موجهة إلى أورسولا فون دير لاين، زاعمين أن الشروط اللازمة للموافقة على اتفاق ميركوسور لم تتحقق.
ويحذر المشرعون من أن هذا الاتفاق قد يؤدي إلى منافسة غير عادلة للمنتجين الأوروبيين، ويعرض الأمن الغذائي للخطر، ويتناقض مع أهداف المناخ للاتحاد الأوروبي.

وأطلقت “فنسيا”، وهي أكبر نقابة زراعية في فرنسا، سلسلة من الاحتجاجات منذ نوفمبر/تشرين الثاني، بحجة أن الاتفاق من شأنه أن يضع المزارعين الأوروبيين في وضع صعب.
وشملت المظاهرات تجمعات خارج المكاتب الحكومية وإغلاق الطرق، ما يعكس الاستياء المتزايد بين مزارعي فرنسا بشأن ما يرون أنه منافسة غير عادلة.
وعلى الرغم من المعارضة الفرنسية، فإن المفوضية الأوروبية – بدعم من ألمانيا وإسبانيا – تدفع باتجاه الانتهاء من الاتفاق بحلول نهاية العام الجاري، وفقًا لـ “آر إف أي“.
وتهدف الاتفاقية إلى تسهيل التجارة بين أوروبا وأميركا الجنوبية من خلال إلغاء جميع الرسوم الجمركية على التجارة بين الكتلتين تدريجيًا.
مفاوضات مطولة
بعد مفاوضات مطولة بدأت في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أبرم الجانبان الاتفاقية رسميًا في 28 يونيو/حزيران 2019. ومع ذلك، أعربت العديد من البلدان المعنية، على جانبي الأطلسي، عن ترددها الذي أدى إلى تأخير التصديق عليها.
وأحيا انتخاب الرئيس البرازيلي لولا دي سيلفا عام 2022، المسألة مجددًا، واستأنفت المفوضية الأوروبية وميركوسور المفاوضات على ملحق للاتفاق، والذي كان يهدف إلى توضيح نص الاتفاقية، ومعالجة الانتقادات الرئيسة التي وُجهت إليها.
ومنذ عدة سنوات، كان هذا المشروع مصدر قلق كبير بين المزارعين، الذين ندد بالتهديد الذي قد يشكله تدفق هائل من المواد الغذائية من أميركا الجنوبية إلى السوق الفرنسية.
وتتضمن الاتفاقية خفض التعريفات الجمركية على واردات تصل إلى 45 ألف طن من العسل، و60 ألف طن من الأرز، وحتى 180 ألف طن من السكر.
وكانت نقطة الخلاف الرئيسة هي حصة لحوم البقر، وهي 99 ألف طن من لحوم البقر التي ستخضع لمعدل تعريفة ثابت بنسبة 7.5%، إضافة إلى 60 ألف طن من نوع آخر من لحوم الأبقار، و180 ألف طن من الدواجن، والتي ستكون معفاة من الرسوم الجمركية.
وأدان مربو الماشية هذه الاتفاقية؛ كونها شكلاً من أشكال المنافسة غير العادلة، حيث أن المزارع في أميركا الجنوبية أكبر، والمعايير الصحية والبيئية أقل صرامة، كما تنخفض تكاليف العمالة بها.
وفي عام 2020، خلصت لجنة من الخبراء في فرنسا، بقيادة الخبير الاقتصادي البيئي ستيفان أمبيك، والذي كلفته الحكومة بتقييم الآثار المحتملة للمعاهدة، إلى أن الاتفاقية “تمثل فرصة ضائعة للاتحاد الأوروبي لاستخدام قوته التفاوضية للحصول على ضمانات قوية تلبي التوقعات البيئية والصحية والمجتمعية الأوسع لمواطنيه”.
واستشهد تقرير اللجنة بمخاطر مثل إزالة الغابات في دول ميركوسور، والتي قد تزيد بنسبة 5% سنويًا على مدى السنوات الست التالية للتصديق على الاتفاقية، بسبب الارتفاع المتوقع في إنتاج لحوم البقر.

وقد عززت مراجعة حديثة أجرتها المفوضية الأوروبية، ونُشرت في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، المخاوف بشأن المخاطر الصحية التي أثارها منتقدو الاتفاقية. وخلصت إلى أن البرازيل، أكبر مصدر للحوم البقر في العالم، لا يمكنها ضمان أن اللحوم الحمراء التي تصدرها إلى الاتحاد الأوروبي لم تُنتج باستخدام هرمون استراديول 17-β ، وهو هرمون النمو المحظور في أوروبا منذ عقود، ولكنه لا يزال يستخدم على نطاق واسع في البرازيل، وفقًا لصحيفة “لوموند”.
ورغم رفضها للاتفاق المقترح “كما هو”، ظلت الحكومة الفرنسية منفتحة على نسخة منقحة. وطلبت من المفوضية الأوروبية إعادة التفاوض على النص بشكل أكثر شمولاً، وخاصة من خلال دمج “بنود المرآة”، التي من شأنها فرض معايير متطابقة على المنتجات المتداولة بين الكتلتين.
كما دعمت الحكومة إضافة تدابير بيئية ملزمة، لجعل المعاهدة متوافقة مع أهداف اتفاق باريس للمناخ. ومع ذلك، لا يبدو أن المفوضية الأوروبية تميل حاليًا إلى الامتثال لهذه المطالب.