مخلفات الغذاء تفيد في التصنيع الحيوي والمناخمكب نفايات غذائية - الصورة من بي غرين برو بلوغ

غذاء ومناخ

يُتيح التصنيع الحيوي وسيلة فعّالة لخفض انبعاثات الكربون من خلال استخدام الجلوكوز الذي تُنتجه النباتات من ثاني أكسيد الكربون وضوء الشمس، إلا أن العالم لا يستطيع إنتاج كميات كافية من الجلوكوز بأسعار معقولة، لذا يكمن الحل في تحويل مخلفات الغذاء غير المُستغلة في سلسلة الإمداد الغذائي الزراعي.

ووفقًا لتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس) الصادر أمس، وتلقت منصة غذاء ومناخ نسخة منه، لا يستطيع العالم إنتاج كميات كافية من الجلوكوز بأسعار معقولة لاستبدال المنتجات النفطية عبر التخمير، مما يستدعي البحث عن مصادر بديلة.

وإمكانية التصنيع الحيوي – استخدام الكائنات الحية والخلايا لإنتاج جزيئات أو مواد بيولوجية أخرى لصنع منتجات مثل المواد الكيميائية والأغذية – لا تكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في محدودية إمدادات الجلوكوز بأسعار معقولة من المحاصيل الأحادية في العالم.

إلا أنه مع ازدياد انتشار التصنيع الحيوي عبر التخمير، أصبحت هذه التقنية أكثر تطورًا. فمن خلال دمج البيولوجيا التركيبية والهندسة الوراثية، طوّر العلماء كائنات حية دقيقة جديدة وأكثر دقة، تتميز بكفاءة وفعالية أكبر في أداء وظائفها.

 وقد أدى ذلك إلى ابتكار مفاعلات حيوية توفر دقة أكبر من حيث قابلية التوسع والتحكم، مما ينتج عنه انخفاض في استهلاك الطاقة وبصمة كربونية أصغر.

نظرًا لقدرة عمليات التصنيع الحيوي على العمل بكفاءة عالية وبشكل متواصل، فإنها توفر مزايا عديدة مقارنةً بالتصنيع التقليدي، وفق “أدفانسد تك“.

مخلفات الغذاء تتجاوز مليار طن سنويًا

يكمن الحل في سلسلة الإمداد الغذائي الزراعي، من خلال تحويل مخلفات الغذاء من الإنتاج الزراعي غير المستغلة إلى مصادر دخل عالية القيمة، “يُمكننا إنتاج الجلوكوز بشكل اقتصادي وموثوق، دون التنافس على الأراضي الزراعية”، وفق تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي.

ويُمكّن هذا الدول من بناء قدرات محلية للتصنيع الحيوي باستخدام مخلفات زراعية متنوعة، بدلًا من الاعتماد كليًا على المحاصيل الأساسية.

مع ذلك، لم يُحقق هذا النهج النجاح المرجو حتى الآن لسبب بسيط، إذ ركزت ابتكارات الكتلة الحيوية تقليديًا على المخلفات الزراعية المرتبطة بسلسلة توريد الإيثانول، بما في ذلك سيقان الذرة، وبقايا قصب السكر، ومخلفات الغابات.

واُختيرت هذه المواد بشكل أساسي لوفرتها وقربها من سلاسل توريد التخمير القائمة، مثل إنتاج الإيثانول.

في الوقت نفسه، تم تجاهل مخلفات معالجة الأغذية تاريخيًا، ويرجع ذلك أساسًا إلى محتواها العالي من الماء الذي يجعلها سريعة التلف ومكلفة النقل، ومع ذلك، فهي تحتوي على مركبات قيّمة يُمكن استخلاصها إلى جانب الجلوكوز: مضادات الأكسدة، والألياف، والأحماض العضوية، واللجنين، والبروتينات، والزيوت.

التصنيع الحيوي يستطيع تحويل مخلفات الغذاء من الإنتاج الزراعي غير المستغلة إلى منتجات قيمة – الصورة من أدفانسد تكنولوجي سيرفيس

وأشار تقرير (دافوس) إلى أن إنتاج هذه المنتجات في موقع إنتاجها، حيث يمكن معالجة تحديات التلف والنقل، فإنها تُحدث تغييرًا جذريًا في اقتصاديات الإنتاج. فبدلًا من دفع تكاليف التخلص منها، يُتاح لمصنّعي الأغذية الوصول إلى مجموعة جديدة من المنتجات المدرّة للدخل.

وقال: “هذا هو الإنجاز الحقيقي: إذ يمكن لمخلفات الإنتاج ذات القيمة المضافة تمويل بناء قدرات التكرير الحيوي، مما يُتيح إنشاء مرافق جاهزة لإنتاج الجلوكوز بأسعار تنافسية وعلى نطاق واسع عندما تتطلب ظروف السوق ذلك”.

وبعيدًا عن الجدوى الاقتصادية، يُعالج هذا النهج تحديًا بالغ الأهمية آخر، فسلاسل التوريد العالمية للمواد الكيميائية والمواد الخام مُركّزة بشكل كبير، وغالبًا ما تعتمد على عدد قليل من الدول التي تمتلك موارد نفطية، أو مساحات زراعية شاسعة، أو قطاعات حيوانية، وهذا التركيز يزيد من المخاطر ويُحدّ من القدرة على الصمود.

ومع ذلك، تُنتج كل دولة، بغض النظر عن مواردها الوطنية، مخلفات الغذاء. فالمراكز الحضرية، ومصانع الأغذية، ومراكز التوزيع، والمناطق الزراعية، جميعها تُنتج كميات هائلة من المنتجات الثانوية، والمخلفات، والمواد المرفوضة أو غير المطابقة للمواصفات، وتشير التقديرات إلى أن مخلفات الزراعة وتصنيع الأغذية تتجاوز مليار طن سنويًا.

ومن خلال تحويل هذه النفايات المحلية إلى مواد خام لإنتاج الجلوكوز، تستطيع الدول بناء قدرات تصنيع حيوي مستقلة وموزعة دون الاعتماد على النفط أو المحاصيل الأحادية أو المساحات الشاسعة من الأراضي، ما يفتح آفاقًا جديدة لإنتاج المواد الكيميائية والمواد الغذائية والمكونات الغذائية والمدخلات الأساسية للصناعات الدوائية والعمليات الصناعية.

نظام غذائي دائري

يقدم استغلال مخلفات الغذاء في صناعة بدائل للجلوكوز اللازم لعملية التخمر، دعمًا للتصنيع المحلي، والفائدة الأهم هي نظام غذائي دائري، والتي غالبًا ما يتم تجاهلها، في أنه يُنشئ نموذجًا تجاريًا مربحًا للغاية، وغالبًا ما يدفع مصنّعو الأغذية اليوم تكاليف التخلص من النفايات، التي تُقلل من هوامش الربح وتُسبب بعض القصور التشغيلي.

ويُغير استغلال الكتلة الحيوية الوضع الاقتصادي تمامًا؛ فبدلًا من أن تُصبح النفايات مركز تكلفة، تُصبح أصلًا مُدرًا للدخل، غالبًا بهوامش ربح أعلى من المنتجات الغذائية الأساسية نفسها.

وتُباع منتجات مثل الألياف الوظيفية، والملونات الطبيعية، والأحماض العضوية، ومركبات النكهة، ومضادات الأكسدة، والبروتينات بأسعار سوقية مجزية اليوم،  ومع توقع وصول عدد سكان العالم إلى 9.8 مليار نسمة بحلول عام 2050، من المتوقع أن يزداد الطلب على المنتجات والمكونات الأنظف.

وعندما تُستخرج هذه المواد بالتوازي مع منتجات النشاط الأساسي، يصبح الوضع الاقتصادي جذابًا للغاية لدرجة أن استغلال الكتلة الحيوية يُمكن أن يُحسّن ربحية الشركة بشكل ملحوظ.

عامل في محطة تصنيع حيوي – الصورة من بيو نتوورك

وبالنسبة لصناعة الأغذية، يعني هذا مصادر دخل متكررة جديدة، وانخفاض تكاليف التخلص من النفايات والخدمات اللوجستية، وتنويع المنتجات وتعزيز مرونتها، لكن الأهم من ذلك، أن الحل المستدام، بوصفه محركًا للتغيير، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالربحية.

وقال تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي: “ببساطة، إنه مكسب حقيقي للمناخ، ومصنّعي الأغذية، وقطاع الأغذية ككل. لا يقتصر أثر الاستثمار المستدام على تعزيز الأثر المناخي فحسب، بل يُحسّن أيضًا أرباح قطاع الأغذية بشكل عام”.

اقرأ التقرير كاملًا هنا.