قد يكون الإشعاع النووي “سيء السمعة”، إذ أنه يرتبط في الأذهان بحادث تشرنوبيل الكارثي، لكن ما لا يعرفه الكثيرين أن هذا الإشعاع يُستخدم ضمن سبل عديدة في مكافحة الآفات، وفق الدكتور ماجد الكحكي، مسؤول زراعي في المقر الرئيس لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو) في إيطاليا، وممثل الاتفاقية الدولية لوقاية النباتات.
وتشرنوبيل، أكبر حادث نووي في التاريخ، وقع في 26 أبريل/نيسان 1986 بالقرب من مدينة بريبيات في شمال أوكرانيا التي كانت ضمن دول الاتحاد السوفيتي حينها، وأدى إلى تغيير معايير الصناعة بعده.
وقال الكحكي لـ “غذاء ومناخ”، إن الإشعاع النووي يُستخدم في مكافحة الآفات، كما ينتج الكهرباء، ويُستعمل في مجال الطب وعلاج المرضى، وذلك على هامش ورشة العمل الإقليمية للاتفاقية الدولية لوقاية النباتات لإقليم الشرق الأدنى وشمال أفريقيا لعام 2026، التي انعقدت في العاصمة المصرية مؤخرًا.
وأضاف الكحكي أن الاتفاقية تهدف أساسًا إلى حماية النباتات من الآفات الضارة، والحد من انتقالها من المناطق المصابة إلى السليمة، وتفاصيل أخرى في الحوار التالي:
ما حجم الخسائر الناجمة عن إصابة المحاصيل بالآفات؟
تنتقل الآفات طبيعيًا، أو من خلال حركة البشر والتجارة الدولية للسلع الغذائية والنباتية، ما يستدعي وجود معايير وإجراءات دولية تضمن الحد من انتشارها، وحماية الدول من الخسائر الناجمة عنها، والاتفاقية الدولية لوقاية النباتات وضعت معايير مُلزمة للدول لحماية أراضيها من الآفات.
وتُقّدر الخسائر الناجمة عن الآفات بنحو 20% إلى 40% لبعض المحاصيل الزراعية.
الهدف الأساسي يتمثل في منع انتقال الآفات النباتية من المواقع المصابة إلى السليمة، من خلال الاتفاقات والإجراءات بين الدول الموردة والمستوردة، لضمان خلو السلع الغذائية والنباتية المُصّدرة من الحشرات والآفات.

كيف يحدث ذلك؟
تتضمن الاتفاقية عددًا من المعايير التي تلزم الدول بمعاملة السلع المُصّدرة من أراضيها باستخدام إجراءات تضمن عدم انتشار الآفات، إلى جانب التأكد من أن السلع تأتي من مناطق خالية من الإصابة، بما يحد من مخاطر انتقالها.
من بين هذه المعايير، الشهادة الصحية الإلكترونية التي تسهم في تسهيل تداول المنتجات الغذائية، وتستبدل الإجراءات الورقية والتراسل الثنائي بين الدول، “وجرى إصدار نحو 250 ألف شهادة صحية إلكترونية”.
المعايير التي تضعها الاتفاقية هي معايير دولية تتفق عليها الدول، إلا أن حماية الدول ومصالحها تتيح لها تطبيق معايير إضافية، سواء كانت إقليمية أو وطنية، لحماية بعض المحاصيل المهمة لديها من الآفات التي قد تهدد التنوع البيولوجي ودخل المزارعين والأمن الغذائي.
اقرأ أيضًا: دونيو: نمو إنتاج الفواكة والخضروات يتسارع لكنه لا يكفي للجميع
هل يمكن أن توضح مفهوم الصحة الواحدة؟
تطبيق مفهوم الصحة الواحدة يمثل محورًا أساسيًا في هذا المجال، إذ إن صحة النبات مرتبطة بصحة الحيوان، وصحة الإنسان، وكذلك صحة البيئة.
ولا يمكن القول إن هناك دولة متميزة وأخرى غير متميزة في مجال حماية النباتات، لأن جميع الدول تحرص على عدم تعرض أراضيها لأي مرض أو آفة، وتسعى إلى منع وصول الآفات إلى أراضيها.
بعض الدول تعتمد اقتصاداتها أو جانبًا كبيرًا من دخلها القومي على الزراعة، ما يجعل بعض المحاصيل عنصرًا أساسيًا في الاقتصاد، مثل الكاكاو والموز، وبالتالي تتجه هذه الدول إلى تطبيق معايير أكثر صرامة لحماية هذه المحاصيل، بوصفها “كنزًا” لديها.
اقرأ أيضًا: كيف أنقذت الحشرة العقيمة صادرات الحمضيات المغربية؟ (خاص)
مكافحة الآفات ووقاية النباتات ترتبط في المقام الأول تحمي الأمن الغذائي، لكنها في الوقت نفسه ترتبط بالحفاظ على التنوع البيولوجي، إذ يمكن لبعض الآفات أو الأمراض أن تؤدي إلى اندثار نوع نباتي بالكامل.
كما تمتد الخسائر أيضًا إلى دخل المزارعين، ما قد يؤدي إلى هجرة الأراضي الزراعية، وظهور فروق اجتماعية، إلى جانب تداعيات أخرى.

الإشعاع النووي كلمات “سيئة السمعة”، قد تصدم البعض عند معرفة أنها تُستخدم في الغذاء؟
هناك قسم مشترك بين وكالة الطاقة الذرية و(الفاو) مخصصً للبحث في الاستخدام الآمن للإشعاع النووي، سواء في مكافحة الآفات أو في الصناعات الغذائية، “عندما تتردد هذه الكلمات أمام البعض يقفز إلى ذهنهم مباشرة كارثة تشرنوبل”، لكن هذا التصور غير صحيح، إذ يُستخدم في وقاية النباتات لقتل بعض مسببات الأمراض، بما يساعد على ضمان خلو المنتجات المصدرة ومواد الإكثار والإنبات من المسببات المرضية.
على سبيل المثال، استخدامه في تقنيات لإنتاج “ذكور عقيمة” يسهم في خفض أعداد بعض الآفات.
من أشهر الأمثلة على ذلك إنتاج الذكور العقيمة في “ذبابة الفاكهة” وهي من أكثر الآفات انتشارًا، والتي تتسبب في خسائر كبيرة، إلا أن هذه التقنية تخفض أعداد الآفة، وطبقتها بنجاح دول في منطة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا.
للإشعاع استخدامات سلمية عديدة، من بينها إنتاج الكهرباء، والعلاج النووي، إلى جانب استخدامه في العديد من المعاملات الخاصة بتعقيم المواد الغذائية التي يستهلكها الإنسان، “وهي آمنة تمامًا حال تطبيقها وفق المعايير والإجراءات المعتمدة”.
اقرأ أيضًا: تطوير “تدابير الصحة النباتية” في وشة عمل.. تشمل مناقشات عن آفات الموز وفرشاة القلقاس

هل هناك تصرفات تبدو بسيطة، لكنها قد تكون خطيرة في مجال مكافحة الآفات؟
نعم؛ أهمها نقل المسافر الفرد؛ فاكهة أو نبات زينة من دولة أخرى، دون أن يدرك أن النبات قد لا ينتقل بمفرده، وإنما يمكن أن يحمل معه مسببات مرضية أو آفات، كما قد تنتقل التربة الملوثة أو أشياء أخرى مرتبطة بها.
لذلك شهد اليوم العالمي للصحة النباتية الذي يُحتفل به في 12 مايو/أيار سنويًا حملات واسعة للتوعية بهذه المخاطر، من بينها حملة حملت شعار “Don’t Risk It” أو “لا تغامر” للتأكيد على خطورة نقل الفواكه والمنتجات النباتية بين الدول دون الإفصاح عنها أو التأكد من سلامتها.
هناك مؤشرات على أن جهود التوعية بدأت تؤتي ثمارها، إذ انتشرت المنشورات التوعوية في العديد من المطارات، إلى جانب وجود أجهزة الحجر الزراعي، فضلًا عن الرسائل التي توجه للمسافرين للإفصاح عن أي منتجات نباتية بحوزتهم في العديد من المطارات.

