تغير المناخ قد يكون له بعض الآثار الإيجابية في مصر، إذ ساعد ارتفاع الحرارة على إنتاج محاصيل غير تقليدية مثل بعض أنواع الفواكهة الاستوائية، كالأفوكادو ودراجون فروت، لكنه أضر محاصيل تقليدية كالموالح، بحسب الدكتور إسلام أبو العلا، مشرف وحدة الصحة النباتية بالحجر الزراعي التابع لوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي.
أضاف أبو العلا، في حوار مع “غذاء ومناخ”، أن تغير المناخ يؤثر سلبًا في الإنتاج الزراعي، إذ تتجاوز أثاره الضارة الحرارة الزائدة وانخفاض الأمطار، إلى حركة الآفات الزراعية وقدرتها على الانتشار والتكيف مع ظروف بيئية جديدة، بما يفرض تحديات إضافية على الدول المنتجة والمصدرة للغذاء، وذلك على هامش ورشة العمل الإقليمية للاتفاقية الدولية لوقاية النباتات لإقليم الشرق الأدنى وشمال أفريقيا لعام 2026، التي انعقدت في العاصمة المصرية مؤخرًا.
وتواجه مصر هذا التحدي من خلال الحجر الزراعي؛ لمنع دخول الآفات إلى البلاد، ومراقبة تحركاتها، والتعامل معها حال ظهورها، بما يحافظ على الإنتاج المحلي ويفتح المجال أمام استمرار الصادرات الزراعية إلى الأسواق الخارجية.
في الوقت نفسه، يفرض تغير المناخ تعديلات على مواعيد بعض المواسم الزراعية والتصديرية، وفقًا لحالة المحاصيل واحتياجات الأسواق.
أبو العلا أضاف لـ “غذاء ومناخ” تفاصيل تعامل مصر مع تحديات تغير المناخ، خصوصًا في مجال مقاومة الآفات، في الحوار التالي:
كيف يؤثر تغير المناخ في حركة الآفات الزراعية؟
يؤثر تغير المناخ في حركة الآفات الزراعية، ولا يقتصر مفهوم الآفات على الحشرات فقط، وإنما يشمل أيضًا البكتيريا والفيروسات، التي يمكن أن تحدث لها تحورات تجعلها أكثر قدرة على التكيف مع الظروف المناخية الجديدة.
وفي المقابل، قد يؤدي تغير المناخ إلى اندثار بعض الآفات أو انحصارها في مناطق معينة.
وأي آفة تدخل دولة تمر بـ 3 مراحل رئيسة: الدخول والانتشار والتوطن، ولذلك تركز الإجراءات في المقام الأول على منع دخول الآفة إلى البلاد.
كيف يعمل الحجر الزراعي المصري على الحد من دخول الآفات؟
يعمل الحجر الزراعي على منع دخول الآفات من خلال سلسلة من الإجراءات عند استيراد المنتجات الزراعية، إلا أن هناك ما يعرف بالآفات العابرة للحدود، والتي تمتلك قدرة كبيرة على الانتقال بين الدول.
من هذه الآفات: دودة الحشد الخريفية، التي تستطيع قطع مسافات تصل إلى نحو 100 كيلومتر في الليلة الواحدة، وهو ما يجعل التصدي لها صعبًا، لكن يمكن تأخير وصولها والاستعداد لمكافحتها.
ونجحت مصر في تأخير دخولها 3 سنوات في المدة 2016- 2019، من خلال وضع مصائد على الحدود مع السودان وتنفيذ برامج مكافحة، وهو ما أتاح وقتًا للاستعداد، خاصة أنه لم تكن هناك مبيدات مسجلة لمكافحتها في مصر آنذاك.
وبعد دخولها، بدأ تطبيق إجراءات خاصة بالمناطق المصابة، إلى جانب تسجيل مبيدات لمكافحتها والاستعانة بعناصر المكافحة الحيوية.

اقرأ أيضًا: تطوير “تدابير الصحة النباتية” في ورشة عمل.. تشمل مناقشات عن آفات الموز وفرشاة القلقاس
هل يؤثر تغير المناخ في الإنتاج الزراعي؟
تغير المناح يؤثر أحيانا بطريقة إيجابية، فقد بدأت مصر تصدر منتجات زراعية غير تقليدية لم تكن تُزرع على نطاق واسع من قبل، مثل الأفوكادو و”دراجون فروت”، وهي محاصيل تُنتج في المناطق الاستوائية، بفضل ارتفاع الحرارة.
في المقابل، يؤثر تغير المناخ سلبًا في المحاصيل التقليدية، ومنها الموالح، من حيث درجة التلوين وتوقيته وحجم الثمار وإجمالي الحِمل على الأشجار.
كيف يُحدد موعد الموسم التصديري للموالح؟
يثحدد بناءً على حالة المحصول في الأراضي، حيث تعقد وزارة الزراعة اجتماعات قبل بداية الموسم بالتعاون مع الحجر الزراعي والمجلس التصديري للحاصلات الزراعية والجهات المعنية، لتقييم حالة المزارع في أكثر من محافظة خاصة الرئيسة، مثل البحيرة والإسماعيلية، ثم يُحدد موعد بدء الموسم التصديري، بعد استيفاء معيارين: فني وتجاري.
يتعلق الجانب الفني بظروف الطقس ودرجة تلوين الثمار وحجمها، بينما يرتبط الجانب التجاري برغبة بعض المصدرين في بدء التصدير مبكرًا للاستفادة من الأسعار المرتفعة، وأيضًا مواسم الدول المنافسة، مثل جنوب أفريقيا، إذ قد يتداخل الموسم المصري مع استمرار وجود البرتقال الجنوب أفريقي في الأسواق الأوروبية، ما قد يؤثر في الأسعار.

ما حجم خطورة دودة الحشد على المحاصيل؟
ظهرت دودة الحشد في الولايات المتحدة، ثم انتقلت إلى أفريقيا، قبل أن تنتشر إلى مناطق ودول أخرى، من بينها الهند والصين واليابان وأوروبا، رغم اختلاف الظروف المناخية، والعائل الرئي لها هو الذرة.
تتميز دودة الحشد بقدرتها على التكيف مع الظروف المناخية المختلفة، كما يمكنها مهاجمة عوائل نباتية أخرى عند عدم توافر العائل الرئيس، وتتغذى على أوراق النباتات وكيزان الذرة.
اقرأ أيضًا: ألمانيا تدعم البطاطس المصرية بالتقنيات (خاص)
كيف تحمي مصر صادراتها الزراعية؟
تمكنت مصر من الحفاظ على صادراتها الزراعية من خلال فتح أسواق جديدة، وتشديد الرقابة وتطبيق منظومة التكويد والتتبع.
عند التفاوض مع دولة تشترط خلو المنتج من دودة الحشد، ويستطيع الحجر الزراعي فحص المنتج والتأكد من خلوه من الآفة، كما يمكن تتبع المزرعة ومراقبتها لإصدار إقرار إضافي في الشهادة الزراعية يفيد بأن المنتج صادر من مزرعة أو منطقة أو محافظة خالية منها.

ماذا عن أزمة العفن البني في البطاطس؟
لدى مصر مناطق خالية من العفن البني، خاصة في الأراضي المستصلحة حديثًا، والتي شهدت استثمارات كبيرة، وتخضع هذه المناطق للمراقبة الدورية؛ من خلال أخذ عينات من البطاطس والمياه والحشائش وغيرها، بالتعاون مع الحجر الزراعي.
تصدر مصر نحو 1.3 مليون طن من البطاطس سنويًا، وقد تنتج إخطارات رفض الشحنات عن تلوث المزرعة، أو عن التلوث من الحاوية أو العبوة نفسها.
عند ورود إخطار رفض شحنات بطاطس في الأسواق الخارجية، يعود الحجر الزراعي إلى المزرعة ويتتبع مصدر الشحنة، فإذا ثبت وجود مشكلة تُتخذ الإجراءات اللازمة.
ويُفرض عقوبات على المصدرين، وفقًا لحجم إخطارات رفض الشحنات مقارنة بإجمالي الكميات المُصدّرة، وتصل إلى منعه من التصدير موسمًا واحدًا أو موسمين متتاليين أو 3 مواسم، وفي بعض الحالات إلى منعه من التصدير نهائيًا.
ورفض الشحنة لا يعني بالضرورة وجود مشكلة في المزرعة أو تعمد المصدر المخالفة، إذ يمكن أن يحدث التلوث أثناء النقل، فمثلًا قد تكون الحاوية استخدمت سابقًا في نقل بطاطس من ميناء أو دولة أخرى، ما يؤدي إلى انتقال البكتيريا.
اقرأ أيضًا: الجبلي: التحالف العربي المصرية تستهدف توطين إنتاج تقاوي البطاطس (خاص)
هل توجد حاجة إلى معيار دولي لتطهير الحاويات؟
ناقشت الورشة معيار دولي للتعامل مع الحاويات البحرية، إذ لا يوجد حاليًا معيار دولي موحد للحاويات في هذا الشأن، ويحتاج وجوده إلى توافق الدول.
غير أن بعض الدول قد ترى أن وجود معيار مُلزم يمكن أن يفرض قيودًا إضافية على التجارة والتصدير، ويجري بحث الموضوع بالتعاون مع المنظمات المعنية بالشحن البحري، بهدف التوصل إلى معيار ملزم أو خطوط توجيهية وإرشادية يمكن للدول الاستفادة منها.
ويمكن أن تنتقل أيضًا من خلال الحاويات والجرارات، “فالجرار الذي ينتقل بين دولتين متجاورتين يمكن أن يحمل تربة أو آفات من دولة إلى أخرى، ولذلك يجري تطهير الجرارات وغيرها من وسائل النقل للحد من انتقال الآفات”.
ما أبرز الآفات التي تحرص مصر على منع دخولها حاليًا؟
نعمل على منع دخول بكتيريا “زيليلا فاستيديوزا”، التي تصيب أشجار الزيتون، إلى جانب عدد كبير من العوائل النباتية يصل إلى نحو 356 عائلًا، من بينها العنب والموالح ونباتات الزهور القطف وغيرها.
تكمن خطورتها في أن أعراض الإصابة بها قد تتشابه مع أعراض العطش، كما تعمل مصر على منع دخول مرض اخضرار الموالح وتقرح الموالح، من خلال خطط للمسح والمراقبة.

