كشفت دراسة علمية حديثة أن المخاطر المناخية التي تهدد إنتاج القمح عالميًا أكبر ما كانت تقدره النماذج المناخية المستخدمة على نطاق واسع، وأن حدوث موجات الحرارة والجفاف في وقت واحد يرفع نسبة خسائر المحصول بنسبة أكبر تصل إلى ضعف الحر بمفرده.
ووفقًا للدراسة المنشورة في مجلة “نيتشر فود”، فإن خفّض الجفاف متوسط إنتاجية القمح عالميًا بنسبة 9.7%، فيما تسببت موجات الحر في انخفاضها بنسبة 5.8%، بينما ارتفعت الخسائر إلى 13.3% عندما تزامنت الظاهرتان خلال الموسم الزراعي نفسه.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في ظل اعتماد الحكومات وشركات التأمين وتجار السلع الزراعية والجهات المعنية بالأمن الغذائي على النماذج المناخية لتقدير المخاطر المستقبلية والتخطيط للإمدادات.
كما تشير الدراسة إلى أن أدوات التكيف الزراعي، وفي مقدمتها الري، لا توفر مستوى الحماية نفسه مع اشتداد الظواهر المناخية المتطرفة.
ويعزز ذلك الحاجة إلى تحسين دقة التنبؤ بالخسائر المحتملة، خصوصًا أن القمح من المحاصيل الغذائية الأساسية والأكثر تداولًا في الأسواق العالمية، وأن أي اضطراب في إنتاجه قد ينعكس على استقرار الإمدادات وتقلبات أسواق الحبوب.
نماذج للطقس وإنتاج القمح خلال 34 عامًا
أجرى الدراسة باحثون من جامعة ساوث ويست وجامعة بكين نورمال في الصين، بالتعاون مع الأكاديمية الصينية للعلوم ومعهد جودارد لدراسات الفضاء التابع لوكالة ناسا، بهدف تحسين القدرة على قياس تأثير الظواهر المناخية المتطرفة في إنتاج القمح.
طوّر الباحثون نموذجًا محسّنًا للمحاصيل، واختبروه باستخدام بيانات الطقس وإنتاج القمح عالميًا خلال 34 عامًا (المدة من 1981 إلى 2015) قبل مقارنة نتائجه بأداء مجموعة من النماذج المستخدمة على نطاق واسع في أبحاث تأثيرات المناخ في الزراعة.
أظهرت النتائج تحسن دقة التنبؤ في النموذج الجديد بنحو 30% عند تقدير خسائر الإنتاجية الناجمة عن الجفاف، و20% للخسائر المرتبطة بموجات الحر، و7% في حالة الأحداث المناخية المركبة التي يتزامن فيها الجفاف والحرارة خلال الموسم نفسه.
بحسب الدراسة، بلغت خسائر متوسط إنتاجية القمح عالميًا 9.7% بسبب الجفاف، و5.8% نتيجة موجات الحر، فيما وصلت إلى 13.3% عند اجتماع العاملين، ما يشير إلى أن التأثير المشترك للظاهرتين يمثل خطرًا أكبر مما تعكسه التقديرات المناخية التقليدية.

اقرأ أيضًا: تغير المناخ يهدد إنتاج القمح بشمال إثيوبيا ( دراسة )
الري لا يزال فعالًا لكن قدرته على الحماية تتراجع
بحثت الدراسة دور الري في الحد من تأثير الجفاف والحرارة في المحاصيل، وخلصت إلى أنه لا يزال أداة فعالة لتقليل خسائر الإنتاجية، لكن قدرته الوقائية تراجعت بصورة ملحوظة خلال وقت الدراسة مع اشتداد الظواهر المناخية المتطرفة.
أوضح الباحثون أن القمح المزروع في الأراضي المروية لا يزال يتمتع بحماية أكبر مقارنة بالمحاصيل التي تعتمد على مياه الأمطار، إلا أن الفجوة بينهما تتقلص مع تزايد تواتر موجات الحر والجفاف وارتفاع شدتهما، بما يتجاوز قدرة ممارسات الري الحالية على تعويض آثار الإجهاد المناخي.
اعتمد النموذج المطور على مجموعة واسعة من البيانات، شملت سجلات المناخ عالية الدقة، وإحصاءات إنتاج القمح على المستويين العالمي ودون الوطني، وبيانات محطات الأرصاد الزراعية، ومؤشرات مساحة الأوراق المستمدة من الأقمار الصناعية، فضلًا عن قواعد بيانات تميز بين الأراضي الزراعية المروية وتلك التي تعتمد على مياه الأمطار.
شغّل الباحثون النموذج بدقة مكانية تبلغ 10 كيلومترات، ما أتاح لهم تحديد التأثير المشترك للحرارة والجفاف بصورة أكثر دقة، مقارنة بالنماذج الأقل دقة مكانية التي قد لا ترصد التفاعلات بين العاملين المناخيين على النحو الكافي.
اقرأ أيضًا: الجفاف في أميركا يضغط على مزارعي القمح ومربي الماشية

اقرأ أيضًا: زراعة القمح المحلي الجورجي تزيد الإنتاجية وتقاوم الأمراض
مخاطر متزايدة على الإمدادات الغذائية العالمية
تأتي الدراسة ضمن مجموعة متزايدة من الأبحاث التي تعيد تقييم تأثير تغير المناخ في إنتاج القمح، وتشير إلى أن مخاطر الحرارة والجفاف، سواء منفردة أو مجتمعة، تتصاعد بوتيرة أسرع مما افترضته التقييمات السابقة.
كما تثير النتائج تساؤلات بشأن مدى كفاية إجراءات التكيف الزراعي الحالية، التي تشمل تحسين نظم الري، وتبكير مواعيد الزراعة، وتطوير أصناف قمح أكثر قدرة على تحمل الحرارة خلال مرحلة الإزهار، خاصة أن فعالية هذه الإجراءات تختلف من منطقة إلى أخرى.
تتجاوز أهمية النتائج حدود المزارعين، إذ يُعد القمح من أكثر الحبوب الغذائية الأساسية تداولًا عالميًا، ويُزرع في مناطق متنوعة من حيث الظروف المناخية، تشمل إقليم البنجاب وسهول البامبا في أميركا الجنوبية، وسهل الصين الشمالي والسهول الكبرى في الولايات المتحدة.
- مزيد من التفاصيل:

