- تواجه دول أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي مخاطر متزايدة على أمنها الغذائي، مع اشتداد الظواهر المناخية المتطرفة المرتبطة بظاهرة النينو، التي تهدد المحاصيل الزراعية وتزيد الضغوط على سلاسل الإمداد وأسعار الغذاء، في وقت يعاني فيه ملايين الأشخاص صعوبة الحصول على غذاء صحي بتكلفة مناسبة.
تتجاوز تداعيات الظاهرة خسائر الإنتاج الزراعي، إذ تمتد إلى سبل معيشة الأسر الريفية، التي تعتمد على الزراعة وتربية الحيوانات مصدرًا رئيسيًا للدخل، بينما يهدد الجفاف ونقص المياه وموجات الحر في بعض المناطق، والأمطار الغزيرة والفيضانات في مناطق أخرى، سنوات من العمل ومصادر دخل المزارعين.
تكشف هذه التطورات عن مفارقة في المنطقة التي تُعد من أبرز المناطق المصدرة للغذاء عالميًا، لكنها تسجل أعلى تكلفة للحصول على نظام غذائي صحي، وفقًا لبرنامج الأغذية العالمي. ومع توقعات اشتداد النينيو خلال النصف الثاني من عام 2026، تتزايد المخاوف من تراجع إنتاج المحاصيل الأساسية وارتفاع أسعارها، بما يفاقم انعدام الأمن الغذائي ويزيد التحديات أمام الفئات الأكثر هشاشة.
النينو تهدد سبل عيش المزراعين
تعكس الأوضاع في وسط بوليفيا حجم الخسائر التي يمكن أن تسببها التقلبات المناخية؛ إذ أدت موجة تساقط كثيف للثلوج إلى نفوق مئات الحيوانات في إحدى البلديات التي أُعلنت منطقة منكوبة.
قال رينيه لونا، أحد المتضررين، إن أسرته فقدت حيوانات اللاما والألبكة والأغنام، موضحًا أن تربية الحيوانات تمثل مصدر رزق الأسرة الذي تعتمد عليه في تعليم أبنائها وبيع منتجاتها بالمدينة.
وبحسب خبراء، ترتبط هذه الظروف بالتذبذب الجنوبي لظاهرة النينو، التي تؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة أو نقص الأمطار خلال موسمها في أجزاء من أميركا اللاتينية، ما يهدد المحاصيل ويبدد جهود المزارعين.
اقرأ أيضًا: اللحوم المستزرعة في ماليزيا تقترب من الـ”حلال”.. لمواجهة النينو

ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع التنوع
تتوقع لينا سافيلي، المديرة الإقليمية لبرنامج الأغذية العالمي، أن يؤدي الجفاف أو هطول الأمطار الغزيرة إلى انخفاض إنتاجية محاصيل أساسية، تشمل:- الذرة والفاصوليا والأرز والكاكاو والبُن، ما يقلص المعروض ويرفع الأسعار في الأسواق والمتاجر.
وتحذر من أن ارتفاع أسعار الغذاء قد يدفع الأسر منخفضة الدخل إلى شراء أغذية أكثر تكلفة وأقل تنوعًا، مع زيادة تكلاليف سلة الغذاء الأساسية وصعوبة تلبية الاحتياجات اليومية.
وتواجه المنطقة مفارقة لافتة؛ فرغم كونها مُصّدرًا للغذاء، تبلغ تكلفة النظام الغذائي الصحي فيها 4.91 دولار للفرد يوميًا، وهي الأعلى عالميًا، بحسب سافيلي، التي أشارت إلى أن ملايين الأشخاص لا يمتلكون الدخل الكافي لتوفير غذاء صحي لأسرهم.
صغار المزارعين في مواجهة المخاطر المناخية
تُعد الزراعة الأسرية محدودة النطاق، بما فيها الزراعة التي تمارسها الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية، ركيزة أساسية للإمدادات الغذائية في أميركا اللاتينية.
وقالت خينيفر موخيكا، الخبيرة الزراعية والسفيرة الكولومبية السابقة لدى منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، إن 80% من الأمن الغذائي في دول المنطقة يعتمد على صغار المنتجين.
وحذرت من أن المزارعين الأفراد لا يستطيعون مواجهة هذه الظروف بمفردهم، مشيرة إلى حرائق الغابات في منطقة توليما بكولومبيا، التي تنتج البُن والكاكاو والفواكه والخضراوات، موضحة أن خسارة المحصول بالنسبة إلى الأسرة الزراعية تعني فقدان أصولها وممتلكاتها.
اقرأ أيضًا: ظاهرة النينيو قد تقتل ملايين الأفارقة جوعًا
مناطق مُعرضة للجفاف والفيضانات
تمر ظاهرة التذبذب الجنوبي للنينو بثلاث مراحل: النينو، التي تشهد ارتفاعًا غير معتاد في حرارة المياه السطحية للمحيط الهادئ الاستوائي، والنينيا التي تنخفض خلالها درجات حرارة المياه عن المعدلات الطبيعية، إضافة إلى مرحلة انتقالية بين الظاهرتين.
ووفقًا للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، تشمل المناطق الأكثر تعرضًا للمخاطر الممر الجاف في أميركا الوسطى، الممتد عبر كوستاريكا ونيكاراجوا وهندوراس والسلفادور وجواتيمالا، إلى جانب منطقة البحر الكاريبي وشمال أمريكا الجنوبية، حيث يُتوقع أن يشتد الجفاف ونقص المياه وموجات الحر.
في المقابل، قد تواجه سواحل الإكوادور وبيرو المطلة على المحيط الهادئ أمطارًا غزيرة وفيضانات، بينما يُتوقع أن تشهد مناطق جنوب شرق أميركا الجنوبية أمطارًا أعلى من المتوسط وعواصف شديدة.

اقرأ أيضًا: مخاوف من النينيو تدفع أسعار الأرز للارتفاع في آسيا
الإنذار المبكر والتكيف مع تغير المناخ
رغم تحرك الحكومات لمواجهة الطوارئ، لا تزال الوقاية تتطلب معالجة أسباب هيكلية، من بينها عدم المساواة وضعف الحراك الاجتماعي وسوء التغذية، إلى جانب تعزيز النظم الغذائية المحلية لضمان وصول الإنتاج إلى الأسواق.
وتشمل الحلول أنظمة الإنذار المبكر التي تساعد المزارعين على تحديد مواعيد الزراعة، والتأمين ضد المخاطر المناخية لحماية الأفراد والشركات والحكومات من الخسائر الاقتصادية.
كما تمتد التداعيات إلى الصحة والبنية التحتية والنقل وفرص العمل. ويحذر تقرير لمنظمة العمل الدولية بعنوان “النينو 2026-2027 وعالم العمل في أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي” من تعرض العاملين في القطاع غير الرسمي والمناطق الريفية والأماكن المفتوحة لمخاطر أكبر.
مزيد من التفاصيل:

