يحذر نشطاء حماية البيئة في أميركا من أن الحوافز المالية الممنوحة لأنظمة الهضم الحيوي” Biodigesters ” تدفع مزارع الألبان إلى زيادة أعداد الأبقار لإنتاج المزيد من الروث، الأمر الذي يسهم في تفاقم معدلات تلوث الهواء والمياه، ويثير تساؤلات بشأن مدى قدرة هذه التكنولوجيا على تحقيق أهدافها البيئية.
رغم الترويج لأجهزة الهضم الحيوي بوصفها حلًا لمعالجة مخلفات مزارع الإنتاج الحيواني المكثف، وخفض انبعاثات غاز الميثان، يرى منتقدوها أن العوائد الاقتصادية المرتبطة بها قد خلقت حافزًا للتوسع في مزارع الألبان الصناعية، بما يؤدي إلى إنتاج كميات أكبر من المخلفات الحيوانية بدلًا من الحد منها.
يشير المزارعون الصغار إلى أن هذه التكنولوجيا تخدم في المقام الأول كبار المنتجين، بما يعزز من ميزتهم التنافسية في القطاع، فيما يشكك عدد من الأكاديميين في حجم الفوائد الفعلية التي تحققها فيما يتعلق بخفض الانبعاثات الكربونية.
ما هي أجهزة الهضم الحيوي؟
أجهزة الهضم الحيوي “Biodigesters” هي أنظمة أو خزانات مغلقة تُستخدم لتحويل المخلفات العضوية، مثل روث الحيوانات وبقايا المحاصيل والمخلفات الغذائية، إلى غاز حيوي وطاقة متجددة من خلال عملية تحلل طبيعية تقوم بها كائنات دقيقة في بيئة خالية أو منخفضة الأكسجين.
تعتمد أجهزة الهضم الحيوي على جمع الغازات المنبعثة من المخلفات الحيوانية، وعلى رأسها غاز الميثان، الناتج عن تحللها في بيئة منخفضة الأكسجين، ثم معالجتها لإنتاج الغاز الطبيعي المتجدد “RNG”، الذي يمكن استخدامه في تشغيل المركبات أو ضخه في شبكات الغاز الطبيعي.
كما يُستخدم الغاز الحيوي الناتج عن هذه العملية في توليد الكهرباء اللازمة لتشغيل المزارع، فيما تستطيع بعض المنشآت بيع فائض الكهرباء إلى شبكات التوزيع لتحقيق إيرادات إضافية.
أما المخلفات المتبقية من عملية الهضم الحيوي، والمعروفة باسم “الديجيستيت”، فيمكن استخدامها كسماد زراعي أو تجفيفها لاستخدامها كفرشة للحيوانات.
ويرى مؤيدو هذه التكنولوجيا أنها تسهم في الحد من كميات الروث المخزن في الأحواض المفتوحة، فضلًا عن إنتاج مصدر متجدد للطاقة يمكن أن يحل محل الوقود الأحفوري.
أقرا أيضًا: الأبقار المحلية التنزانية.. دعوة لإعادة التوطين لمقاومة الجفاف

هل تشجع الحوافز الحكومية على التوسع؟
يثير ارتباط العوائد المالية لأجهزة الهضم الحيوي بكميات الغاز الحيوي المنتجة مخاوف من أن تتحول هذه التكنولوجيا إلى حافز اقتصادي للتوسع في مزارع الإنتاج الحيواني المكثف.
كشفت دراسة أجرتها منظمة “أصدقاء الأرض” عام 2024 أن مزارع الألبان المزودة بأجهزة الهضم الحيوي في ولاية ويسكونسن الأميركية نمت بمعدل يفوق نظيراتها غير المزودة بهذه الأجهزة بنحو 52 ضعف.
أظهرت دراسة أُجريت في ولاية كاليفورنيا بين عامي 2016 و2025 أن مزارع الألبان أضافت في المتوسط نحو 860 بقرة خلال السنوات الثلاث التالية لتركيب أجهزة الهضم الحيوي، ما أدى إلى ارتفاع صافي انبعاثات غاز الميثان.
يرى الباحثون أن إنتاج المزيد من الغاز الحيوي يرتبط بزيادة كميات المخلفات الحيوانية، وهو ما يثير مخاوف بشأن قدرة هذه التكنولوجيا على تحقيق أهدافها البيئية على المدى الطويل.
أقرا أيضًا: بين تغير المناخ والتوسع الحضري.. كيف تعمل المدن على حلول الغذاء المستدام؟

مستقبل الصناعة بين الدعم الحكومي والانتقادات البيئية
رغم المخاوف المتزايدة، حظيت أجهزة الهضم الحيوي خلال السنوات الماضية بدعم مالي من الحكومات الفيدرالية وحكومات الولايات الأمريكية، إلى جانب المستثمرين من القطاع الخاص، ما أسهم في انتشارها على نطاق واسع داخل مزارع الألبان ومزارع الخنازير الصناعية.
وفي الوقت نفسه، تواصل مصلحة الضرائب الأميركية مناقشة شروط الإعفاءات الضريبية الفيدرالية الخاصة بالوقود النظيف، التي تمثل أحد مصادر الإيرادات المهمة لهذه المشروعات، فيما أوقفت وزارة الزراعة برامج المنح وضمانات القروض المتعلقة بإنتاج الغاز الحيوي.
أقرا أيضًا: مربو الأغنام في جنوب أفريقيا يواجهون الجفاف ونقص الأمطار
بينما يرى داعمو هذه التكنولوجيا أنها لا تزال تمتلك فرصًا للنمو مدفوعة بالطلب العالمي المتزايد على مصادر الطاقة المستدامة، فإن منظمات رقابية تحذر من أنها تقف اليوم عند نقطة تحول حاسمة ستحدد مستقبلها خلال السنوات المقبلة.
إلا أن مستقبل هذه الصناعة بات أكثر ضبابية في الوقت الراهن، مع تراجع العوائد المالية الناتجة عن بيع الغاز المتجدد لشركات الوقود، واستمرار النقاشات داخل الولايات المتحدة بشأن شروط الإعفاءات الضريبية الخاصة بالوقود النظيف، فضلًا عن وقف بعض برامج المنح وضمانات القروض المخصصة لإنتاج الغاز الحيوي.
- مزيد من التفاصيل:

