سلّط قرار الاتحاد الأوروبي بتعليق واردات اللحوم البرازيلية الأسبوع الماضي، الضوء مجددًا على قضية متبقيات المضادات الحيوية، التي لم تعد تقتصر على المزارع أو كدواء بيطري، وأصبحت متبقيات الأدوية في اللحوم والحليب والبيض وغيرها من المنتجات الحيوانية جزءًا من معادلة سلامة الغذاء، وعاملًا مؤثرًا في التجارة الدولية.
تحذر منظمة الصحة العالمية من أن الاستخدام المفرط أو غير الملائم لمضادات الميكروبات يمثل أحد المحركات الرئيسة لمقاومة الميكروبات، وهي مشكلة لا تقتصر على القطاع الصحي، وإنما تمتد إلى الزراعة والغذاء والبيئة .
ويأتي استخدام المضادات الحيوية في تربية الحيوانات لأغراض علاجية ووقائية، إلا أن سوء استخدامها أو عدم الالتزام بأوقات سحب الدواء قبل ذبح الحيوانات أو الحصول على منتجاتها، يمكن أن يؤدي إلى بقاء متبقيات دوائية في اللحوم والحليب والبيض والمنتجات الغذائية.
تكتسب المشكلة أهمية أكبر مع التعرض المتكرر لمستويات منخفضة من هذه المتبقيات، إذ ترتبط المخاوف ليس فقط بالتأثيرات السمية المحتملة، وإنما أيضًا بإمكانية الإسهام في اضطراب الميكروبيوم المعوي وتعزيز مقاومة المضادات الحيوية.
متبقيات المضادات الحيوية تنتقل من المزرعة إلى المستهلك
تظهر دراسة حديثة تناولت المنتجات الغذائية ذات الأصل الحيواني في جنوب شرق الصين، أن متبقيات الكينولونات والتتراسيكلينات والأمفينيكولات كانت موجودة بدرجات متفاوتة في عينات اللحوم والدواجن والمنتجات المائية والبيض والحليب.
اقرأ أيضًا: استعمال المضادات الحيوية في الزراعة.. ما دور صناعة الأدوية البيطرية الأميركية في هشاشة المسودة الأممية؟
سجلت الكينولونات أعلى معدلات الكشف في المنتجات المائية، ووصلت نسبة الكشف عنها إلى 80.59% في الأسماك البحرية، بينما كانت التتراسيكلينات أكثر بروزًا في عينات الدجاج، بمعدل كشف بلغ 38.52%.
رغم ذلك، خلص تقييم المخاطر في الدراسة إلى أن مستويات التعرض الغذائي المقدرة ظلت ضمن الحدود المقبولة، إذ جاءت جميع معاملات الخطر أقل من 1، بما يشير إلى عدم وجود خطر سمّي مزمن وفق السيناريوهات التي قيّمتها الدراسة.
إلا أن الباحثين شددوا على أن انخفاض مستويات متبقيات المضادات الحيوية لا يلغي الحاجة إلى استمرار المراقبة، خصوصًا في ظل المخاوف المرتبطة بالتعرض المزمن ومقاومة تلك المضادات.

أوروبا تضع المتبقيات في صدارة الرقابة
تقدم أوروبا نموذجًا أكثر تشددًا في التعامل مع القضية، ليس فقط عبر وضع حدود قصوى للمتبقيات، وإنما من خلال مراقبة استخدام مضادات الميكروبات في الحيوانات والمنتجات الحيوانية المستوردة.
اقرأ أيضًا: ماذا فعل خفض المضادات الحيوية للنحل في غانا؟
أظهر أحدث تقرير للهيئة الأوروبية لسلامة الغذاء لعام 2024 أن نسبة العينات غير المتوافقة مع الحدود الرسمية بلغت 0.13% فقط، بما يعادل 629 عينة من أصل 493 ألفًا و664 عينة، مقارنة بـ0.11% في العام السابق.
ويشمل البرنامج اللحوم ومنتجات الألبان والبيض والعسل، إلى جانب مجموعات مختلفة من الأدوية البيطرية، بينها مضادات البكتيريا.
ورغم انخفاض النسبة، لا تزال متبقيات المضادات الحيوية والستيرويدات والهرمونات في اللحوم ضمن أبرز مخاوف سلامة الغذاء لدى المواطنين الأوروبيين، وفق مسح”يوروباروميتر” لعام 2025، إذ أبدى 36% من المشاركين قلقهم بشأنها.
اختبار جديد لقواعد الاتحاد الأوروبي في البرازيل
تحولت القواعد الأوروبية من مجرد آلية رقابية إلى أداة تجارية مباشرة مع دخول المادة 118 من لائحة الأدوية البيطرية الأوروبية حيز التطبيق في 3 سبتمبر/أيلول2026.
تمنع القواعد الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي الراغبة في تصدير الحيوانات والمنتجات الحيوانية المخصصة للاستهلاك البشري من استخدام مضادات الميكروبات بهدف تحفيز النمو أو زيادة الإنتاج، كما تحظر استخدام بعض المضادات المخصصة في الاتحاد الأوروبي لعلاج عدوى معينة لدى البشر، ولا يُسمح بالتصدير إلا للدول التي تقدم ضمانات بالامتثال لهذه القواعد.
في هذا السياق، علّق الاتحاد الأوروبي دخول المنتجات الحيوانية البرازيلية المشمولة بالقواعد الجديدة، لأنها لم تكن مدرجة في قائمة الدول التي قدمت ضمانات كافية بالامتثال لمتطلبات استخدام مضادات الميكروبات.
أوضحت المفوضية الأوروبية أن هناك تدقيقًا جاريًا في البرازيل يتعلق بالدواجن والعسل، وأنها تواصل العمل مع السلطات البرازيلية، بينما أكدت أن استئناف دخول المنتجات سيتوقف على إثبات الامتثال للمتطلبات الأوروبية.
تشمل منظومة الرقابة الأوروبية أيضًا التحقق من الشهادات الصحية، وإجراء فحوص الهوية والفحوص المادية، وقد تمتد إلى أخذ عينات وتحليلها معمليًا وفق درجة المخاطر.

من سلامة الغذاء إلى التجارة الدولية
تكشف التطورات الأخيرة أن متبقيات المضادات الحيوية لم تعد مجرد ملف صحي أو بيطري، بل أصبحت عنصرًا مؤثرًا في حركة تجارة المنتجات الحيوانية.
بينما تشير بيانات أوروبا إلى انخفاض معدلات عدم المطابقة، تكشف الدراسات العلمية عن استمرار وجود متبقيات متفاوتة في منتجات حيوانية حول العالم، فيما تتجه القواعد الأوروبية إلى تحميل الدول المصدرة مسؤولية إثبات سلامة ممارسات استخدام المضادات في كامل دورة الإنتاج.
اقرأ أيضًا: خفض استخدام المضادات الحيوية في الماشية إلى النصف ممكن.. دراسة حديثة تقول
والولايات المتحدة أكبر الدول استعمالًا للمضادات الحيوية في الزراعة الحيوانية.
ويمكن أن يؤدي استعمال هذه الأدوية إلى تطوير البكتيريا المقاومة التي تهدد بعد ذلك حياة البشر.
ويقول الخبراء إن الحد من استخدام المضادات الحيوية المهمة طبيًا في الماشية أو القضاء عليها من شأنه أن يبطئ تطور البكتيريا المقاومة، ما يحمي فعالية الأدوية المهمة لمدة أطول.
- مزيد من التفاصيل:

