الزراعة داخل المدن الأميركية لم تعد مجرد وسيلة لإنتاج بعض الخضروات بالقرب من المستهلكين، بل تحولت تدريجيًا إلى أداة لتعزيز الأمن الغذائي، والحفاظ على المساحات الخضراء، ودعم قدرة المدن على مواجهة تداعيات تغير المناخ والأزمات التي تهدد سلاسل إمدادات الغذاء.
تشمل الزراعة الحضرية أنماطًا متعددة، تبدأ من الحدائق والمزارع التي يديرها سكان الأحياء والمنظمات غير الربحية، مرورًا بالمزارع التجارية داخل المدن وحولها، وصولًا إلى المزارع الرأسية الداخلية التي تعتمد على الزراعة المائية والهوائية والإضاءة الاصطناعية وأنظمة التحكم في المناخ.
تكتسب الزراعة الحضرية أهمية خاصة مع تعرض سلاسل الإمداد العالمية لصدمات متكررة، سواء بسبب الأزمات الاقتصادية أو الحروب أو الكوارث المناخية أو الأوبئة.
أظهرت جائحة كوفيد-19 هشاشة الاعتماد الكامل على سلاسل الإمداد طويلة المسافة، بعدما أدى تعطل حركة النقل والإنتاج إلى نقص بعض المنتجات الطازجة في المتاجر خلال فترة قصيرة. وفي هذا السياق، برزت المزارع المحلية والحضرية بوصفها أحد الحلول التي يمكن أن توفر جزءًا من الاحتياجات الغذائية بالقرب من المستهلكين.
الزراعة الحضرية تسهم في توفير المنتجات الطازجة
لا تتوفر إحصاءات وطنية رسمية دقيقة لعدد المزارع الحضرية في الولايات المتحدة، نظرًا لتنوع أشكالها وعدم خضوعها لنظام موحد للرصد، إلا أن المسوح والحصر المحلية تشير إلى وجود آلاف المزارع المنتشرة في المدن والمناطق المحيطة بها.
تؤدي المزارع المجتمعية دورًا يتجاوز إنتاج الغذاء، إذ تسهم في توفير المنتجات الطازجة، والحفاظ على العادات الغذائية والثقافية، وتعزيز التعاون بين السكان، فضلًا عن دعم مفهوم السيادة الغذائية، خاصة في المجتمعات التي تعاني ضعف الوصول إلى الغذاء الصحي.
لا تقتصر أهمية المزارع داخل المدن على توفير الغذاء، إذ يمكن للمساحات المزروعة أن تؤدي دورًا بيئيًا في مواجهة بعض الآثار المحلية لتغير المناخ.
توفر المزارع والحدائق الحضرية مساحات خضراء تساعد على خفض درجات الحرارة داخل المدن، التي تعاني عادةً من ظاهرة “الجزر الحرارية الحضرية”، كما تشجع التنوع البيولوجي وتتيح للمياه التغلغل في التربة بدلًا من تحولها بالكامل إلى مياه جارية فوق الأسطح والطرق.

اقرأ أيضًا: ماهو مستقبل الزراعة في عالم يزداد حرارة؟
زراعة الغذاء بالقرب من أماكن السكن ليست ظاهرة جديدة
رغم ارتباط مفهوم الزراعة الحضرية في صورته الحديثة بالتكنولوجيا والمشروعات الناشئة، فإن زراعة الغذاء بالقرب من أماكن السكن ليست ظاهرة جديدة في الولايات المتحدة.
فقد طورت المجتمعات الأصلية قبل وصول الأوروبيين نظمًا زراعية داخل مستوطناتها، واستفادت من تقنيات تتناسب مع الظروف البيئية المحلية، وفي المناطق الجنوبية الغربية القاحلة، استخدمت مجتمعات البويبلو القديمة المصاطب الحجرية والسدود الصغيرة وغيرها من الوسائل لتقليل فقد المياه وتركيز الرطوبة حول المحاصيل.
اعتمدت مجتمعات أخرى على زراعة محاصيل متنوعة بالقرب من المنازل، ومن بينها ما يعرف بـ”الأخوات الثلاث”، أي الذرة والفاصوليا والقرع، التي يمكن أن يستفيد بعضها من بعض عند زراعتها معًا.
في مراحل لاحقة، أسهم الأفارقة المستعبدون والمهاجرون في تشكيل تاريخ الزراعة الحضرية الأميركية، إذ أنشأوا حدائق صغيرة لزراعة محاصيل غذائية، بينما لجأت أسر مهاجرة إلى زراعة الأعشاب والخضروات بالقرب من مساكنها لتوفير جزء من احتياجاتها الغذائية.
في لوس أنجلوس وسياتل، حوّل مزارعون يابانيون أراضي غير مرغوب فيها إلى مزارع منتجة، قبل أن تتعرض مجتمعاتهم للاحتجاز القسري خلال الحرب العالمية الثانية.
اقرأ أيضًا: دعم الزراعة الذكية مناخيًا في آسيا وأفريقيا بتمويل نيوزيلندي وسويدي
الأزمات تعيد إحياء المزارع داخل المدن
يرتبط توسع الزراعة الحضرية تاريخيًا بأوقات الأزمات، عندما تتراجع قدرة النظام الغذائي التقليدي على توفير الاحتياجات.
فبعد أزمة عام 1890، أطلق عمدة ديترويت هازن إس. بينغري برنامجًا سمح للعمال العاطلين عن العمل بزراعة قطع أراضٍ شاغرة داخل المدينة.
وخلال الحربين العالميتين، شجعت الحكومة الأميركية المواطنين على زراعة ما عُرف بـ”حدائق النصر” في المنازل والحدائق العامة والمدارس، وفي عام 1944، بلغ عدد هذه الحدائق نحو 20 مليون حديقة، وأسهمت في توفير ما يقدر بنحو 40% من إجمالي المنتجات الطازجة التي استهلكها الأميركيون آنذاك.
تشير هذه التجارب إلى أن الزراعة الحضرية غالبًا ما تكتسب زخمًا عندما تتعرض سلاسل الإمداد أو الاقتصاد لصدمات كبيرة.
اقرأ أيضًا: غرينبيس: أزمة الأسمدة الكيميائية الحالية فرصة للتحول إلى الزراعة الإيكولوجية

الأمن الغذائي المحلي في مواجهة “الأزمات المتعددة”
يرى خبراء أن أهمية الزراعة الحضرية قد تتزايد في ظل ما يوصف بعصر “الأزمات المتعددة”، الذي تتداخل فيه المخاطر المناخية والاقتصادية والجيوسياسية والصحية.
لذلك لا يُنظر إلى المزارع داخل المدن بوصفها بديلًا كاملًا عن الزراعة التقليدية أو سلاسل الإمداد العالمية، وإنما كجزء من منظومة غذائية أكثر تنوعًا وقدرة على الصمود.
توفر المزارع الحضرية مصدرًا محليًا للغذاء، وتقلل المسافة بين المنتج والمستهلك في بعض الحالات، كما تمنح المجتمعات قدرة أكبر على إنتاج جزء من احتياجاتها خلال الأزمات.
مع استمرار تغير المناخ وارتفاع احتمالات اضطراب سلاسل الإمداد، قد تتحول الزراعة الحضرية في الولايات المتحدة من نشاط هامشي إلى عنصر أكثر حضورًا في سياسات الأمن الغذائي والتكيف المناخي للمدن، خاصة مع الجمع بين الخبرات الزراعية التقليدية والتقنيات الحديثة.
- مزيد من التفاصيل:

