في وادي كاليفورنيا الأوسط، تطرح الكاتبة نيكيكو ماسوموتو، سؤالًا عن مستقبل الزراعة في عالم يزداد حرارة، وتستعرض نموذجًا زراعيًا مختلفًا عبر برنامج موسمي يحمل اسم “تبنّي شجرة”، يجمع مشاركين من مناطق متعددة داخل وخارج ولاية كاليفورنيا الأميركية للمشاركة في حصاد ثمار الخوخ والنكتارين مباشرة من الحقول.
هذا البرنامج لا يقتصر على كونه نشاطًا زراعيًا، بل يتحول إلى تجربة متكاملة، تمتزج فيها رائحة الفاكهة الناضجة مع التربة، وتُعيد ربط المشاركين بدورة الغذاء من مصدرها الأول.
في مقال رأي منشور على موقع “سيفيل إيتس”، تطرح ماسوموتو رؤية إنسانية وبيئية حول مستقبل الزراعة في ظل تسارع التغيرات المناخية، مستندة إلى تجربة عملية داخل مزرعة عائلية بوادي سنترال في ولاية كاليفورنيا.
ففي العام الجاري (2026) – وفق الكاتبة- تسببت درجات الحرارة المرتفعة في جفاف الأزهار فوق الثمار مباشرةً، مما أدى إلى نمو جراثيم الفطريات تحتها، بالإضافة إلى ظهور ندوب ناتجة عن التعفن.
أسئلة تعيد تعريف علاقتنا بالغذاء
أيام الحصاد تكون عبارة عن احتفال يلتقي فيها سكان المدن بالطبيعة في لحظات تفاعلية تُعيد تشكيل علاقتهم بالغذاء، وتخلق ما تصفه الكاتبة بـ”الذكريات الغذائية العميقة”.
بحسب الكاتبه، تلك العلاقة لا تبدأ فقط الحصاد، بل قبل ذلك بوقت طويل، من خلال عملية تقديم دقيقة تتضمن أسئلة تأملية حول علاقة الأفراد بالأرض والغذاء، وكيفية استهلاكهم للمحاصيل، وما الذي يمكن أن يتعلموه من الطبيعة.
وتخضع طلبات المشاركة لعملية اختيار تُجرى خلال فصل الشتاء، في خطوة تهدف إلى قياس مدى التزام المتقدمين، وتعكس في الوقت ذاته فلسفة أعمق تقوم على إعادة التفكير المستمر في العلاقة مع الأرض، حتى بالنسبة للمشاركين القدامى.
أقرا أيضًا: الفاو: تفاقم الضغط على النظم الزراعية والغذائية الهشة نتيجة حرب إيران

وقالت الكاتبة إنه في برنامج مزرعتنا الصغيرة، يجب على الفرق التقدم بطلب لتبني شجرة، ويتطلب الطلب الإجابة من كل فريق على أسئلة حول كيفية تخطيطهم للاستمتاع بحصاد ما بين 250 و300 رطل من الفاكهة، وندعوهم للتأمل في أسئلة مثل: ما الذي تجنونه من هذا الموسم؟ أو ما هي طريقتكم المفضلة للتعامل مع الأرض؟ أو ماذا تعلمتم من النباتات؟
مرحلة التخفيف
تشير الكاتبة إلى تأثيرات ملموسة للتغيرات المناخية، مثل الارتفاع غير المسبوق في درجات الحرارة بنهاية الشتاء، والذي أدى إلى تسارع وتيرة تفتح الأزهار واختصار مدته في بعض الأصناف، وهو ما انعكس لاحقًا على إنتاجية الأشجار.
تظهر هذه التحديات بوضوح خلال مرحلة “التخفيف”، حيث يجري تقليل عدد الثمار على الأغصان لضمان جودة المحصول، في عملية دقيقة توازن بين الكمية والجودة وتحمي الأشجار من الإجهاد.
والزراعة في ظل المناخ المتغير لم تعد مجرد نشاط لإنتاج الغذاء، بل تحولت إلى ممارسة يومية قائمة على الوعي والانتباه والتكيف، مع الحفاظ على مساحة للأمل، رغم الضغوط البيئية المتزايدة.
أقرا أيضًا: الحرارة الشديدة تدفع إنتاج الغذاء إلى الانهيار.. وقد تقتل المزارعين (تقرير أممي)
ما المقصود بالأنثروبوسين والعلاقة مع مستقبل الغذاء؟
تتطلب الزراعة في عصر الأنثروبوسين قرارين (من بين أمور أخرى)، أولهما هو الانتباه، وفق الكاتبة.
وأضافت أن “الانتباه يبدو بسيطًا للغاية، لكنني وجدته صعبًا بشكل متزايد في عالمٍ يسهل فيه التلاعب بانتباهنا عمدًا بواسطة التقنيات الرقمية، وحيث يمكن للضجيج الذي نُحدثه نحن البشر (حرفيًا ومجازيًا) أن يُشتت انتباهنا عن عيش اللحظة الحاضرة. تتطلب الزراعة في ظل أنماط الطقس سريعة التغير مراقبتنا المستمرة. كيف تستجيب الأشجار لشتاء أكثر دفئًا؟ ما الذي يُمكننا فعله لدعم صحتها؟”.
أما الالتزام الثاني، وهو التركيز على دورات حياة النباتات، فأعتقد أنه يتطلب التوازن بين الحزن وإشعال الأمل الذي لا ينضب.

اقرأ أيضًا: أسعار التوت في أميركا تحترق بحرب إيران وارتفاع الحرارة.. الحبة بـ 20 سنتًا
والمقصود بـ “الأنثروبوسين” أن الأرض قد خرجت من حقبتها الجيولوجية الطبيعية وأصبحت الأنشطة البشرية واسعة الانتشار وعميقة التأثير إلى درجة أنها باتت تنافس قوى الطبيعة الكبرى وتتحرك الأرض بسرعة نحو حالة أقل تنوعًا بيولوجيًا، وأقل غطاءً غابيًا، وأكثر حرارة بكثير، وربما أكثر رطوبة وعرضة للعواصف، ما يؤثر في مستقبل الزراعة.
وأصبح “الأنثروبوسين” توصيفًا يُعبّر عن التأثير العميق للإنسان في الأرض، وأنظمتها البيئية، والأنواع الأخرى التي تعيش على الكوكب، مع التأكيد على أن البشرية تمتلك القدرة على جعل هذا التأثير أكثر إيجابية.
مزيد من التفاصيل:

