يكافح حماة البطاطس في بيرو تغير المناخ في جبال الأنديز، من خلال الحفاظ على أكثر من 1300 صنف من الدرنات المحلية.
ففي منطقة كوسكو الخلابة في بيرو، يخوض تحالف من مزارعي الكيتشوا الأصليين (مجموعة عرقية من السكان الأصليين في عدة دول في أميركا الجنوبية) المعروفين باسم بابا أراريوا، أو حماة البطاطس، معركةً شرسةً ضد تغير المناخ الكارثي، وفق تقرير اطلعت عليه (غذاء ومناخ).
وحماة البطاطس في بيرو، كونهم مسؤولين عن الحفاظ على أكثر من 1300 صنف محلي من هذه الدرنة المتواضعة، فإن معارفهم التقليدية العريقة هي مفتاح ضمان الأمن الغذائي العالمي، في ظلّ ارتفاع درجات الحرارة، وتقلبات الطقس، والأمراض المستجدة التي تُهدد الاستقرار الزراعي من جبال الأنديز إلى وادي الصدع.
مختبر الأنديز الحي
تمتد حديقة البطاطس على مساحة تزيد عن 9 آلاف هكتار على ارتفاعات شاهقة تصل إلى 3.4-4.9 ألف متر فوق سطح البحر، وهي ليست مجرد مزرعة، بل هي كنزٌ حيٌّ من التنوع الجيني.
وتأسست الحديقة عام 2002 بالقرب من بلدة بيساك التاريخية، وتُدار بمشاركة 6 مجتمعات محلية، تعمل وفقًا لقوانينها العرفية وملكية الأرض الجماعية.
اقرأ أيضًا: الجبلي: التحالف العربي المصرية تستهدف توطين إنتاج تقاوي البطاطس (خاص)

وفي الحديقة، تُعد البطاطس أكثر من مجرد مصدر للكربوهيدرات، فهي هبة مقدسة من إلهة باتشاماما (الأرض الأم) تُشكل الركيزة الأساسية لهويتهم الثقافية.
وترمز باتشاماما إلى الخصوبة والزراعة وجوانب الطبيعة المغذية، وهي شهادة على الارتباط العميق بين حضارة الإنكا (من أهم الحضارات في أميركا الجنوبية) والأرض ودوراتها، إذ تجسد هذه الإلهة الجبال والتربة وكل العناصر التي تعزز الحياة.
ويُعدّ التنوع الجيني المُستزرع داخل الحديقة مذهلًا، فبينما تعتمد المتاجر الكبرى عالميًا على عدد محدود من أصناف البطاطس المتجانسة والمعدلة وراثيًا، يزرع حماة البطاطس في بيرو أو شعب بابا أراريوا مجموعةً متنوعةً من الدرنات بألوان الأحمر والأرجواني والوردي والأزرق الزاهي.
حماة البطاطس في بيرو مجبورون على التكيف مع المناخ
الأصناف المتميزة التي يتعامل معها حماة البطاطس في بيرو، في مناطق ارتفاعات مختلفة، تُجبر المزارعين على التكيف باستمرار مع المناخات المحلية الدقيقة، مما يُنتج تنوعًا جينيًا جديدًا بشكل طبيعي.
ويُراقب مهندسو الزراعة المحليون باستمرار التباينات الدقيقة في المحاصيل عبر هذه المناخات المحلية شديدة التخصص، ولا تزال التفاصيل قيد التحقق المستقل.
وعلى الرغم من قرون من الصمود، فإن بيئة جبال الأنديز البكر تُعاني من ضغط هائل نتيجة لتغير المناخ الناجم عن نشاط الإنسان.
اقرأ أيضًا: ألمانيا تدعم البطاطس المصرية بالتقنيات (خاص)
ويُفيد مزارعو فيستا أليغري والقرى المحيطة بها بأن دورات الطبيعة المنتظمة تتفكك بشدة.
ويظهر ذلك في درجات الحرارة التي كانت تنخفض تاريخيًا إلى 4 درجات مئوية ليلًا، إذ أنها آخذة في الارتفاع، بينما تُدمر موجات الصقيع غير المتوقعة والأمطار الغزيرة الحقول المدّرجة بعناية.
الآفات تتسلق الجبال بسبب الحرارة المتزايدة
سمحت درجات الحرارة المرتفعة لآفات الأراضي المنخفضة، مثل عثة درنات البطاطس، بالهجرة إلى ارتفاعات غير مسبوقة.
وتُلحق أمراض فطرية جديدة، لم تكن معروفة سابقًا على ارتفاع 4 آلاف متر، أضرارًا بالغة بالمحاصيل الضعيفة.
كما تُجبر أنماط هطول الأمطار غير المنتظمة المزارعين على تغيير مواعيد زراعتهم باستمرار، بعيدًا عن الدورات القمرية التقليدية.
ويُضطر المزارعون أيضًا إلى زراعة المحاصيل على ارتفاعات متزايدة في الجبال بحثًا عن الظروف الباردة اللازمة لنمو الدرنات.

الآثار العالمية في الأمن الغذائي
لا تقتصر أهمية معركة حماة البطاطس في بيرو على حدود الدولة الأميركية الجنوبية فحسب، بل تتجاوزها بكثير؛ لأن البطاطس تمثل ركيزة أساسية في النظام الغذائي العالمي.
وتُطعم البطاطس أكثر من مليار شخص يوميًا في كل قارات العالم.
اقرأ أيضًا: محاصيل البطاطس تنخفض مع ارتفاع الحرارة 3 درجات مئوية
ويُمثّل العمل الجاري في تربة جبال الأنديز المتجمدة مشروعًا بحثيًا مفتوح المصدر للبشرية، فالجينات القوية المقاومة للجفاف والصقيع، التي يرعاها بابا أراريوا، هي اللبنات الجينية اللازمة لهندسة محاصيل قادرة على الصمود في وجه الظروف القاسية لكوكب يزداد احترارًا.
ومن سهول أفريقيا جنوب الصحراء القاحلة إلى حقول جنوب شرق آسيا المغمورة بالمياه، ستُحدّد القدرة على التكيف السريع للمحاصيل الأساسية مصير بقاء الجنس البشري في القرن الحادي والعشرين.
ولا يقتصر دور حُماة كوسكو الأصليين على الحفاظ على تراثهم المحلي فحسب، بل إنهم يُرسّخون أيضًا بوليصة تأمين بيولوجي حيوية لبقية العالم.
مزيد من التفاصيل:

