شجيرة لانا من المحاصيل المحلية الموسمية في الهندشجيرة لانا من المحاصيل المحلية الموسمية في الهند - الصورة من أسيرجيف

المحاصيل المحلية الموسمية لم تعد مجرد جزء من التراث الغذائي، بل تمثل عنصرًا رئيسا في النقاش العالمي حول الأمن الغذائي وضروة تنوع الأنظمة الغذائية لمواجهة الطقس المتطرف وأزمة تغير المناخ المتصاعدة.

ووفق تقرير للمنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس)، والذي اطلعت عليه “غذاء ومناخ”، فإنه مع تزايد التقلبات المناخية وتأثيرها في الإنتاج الزراعي، يرى باحثون أن استعادة التنوع في الأنظمة الغذائية يمثل أحد أهم السبل لتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود، بعد عقود من هيمنة الزراعة الصناعية والمحاصيل الموحدة على موائد العالم.

وعلى سبيل المثال، في ولاية راجاستان الهندية، تنمو شجيرة تعرف محليًا باسم “لانا” خلال فصل الشتاء فقط، إذ تختفي مع أول ارتفاع في درجات الحرارة، استخدمها السكان مع دقيق الدخن اللؤلؤي “الباجرا” لإعداد طبق “دوكلي” الشتوي، الذي ارتبط بتدفئة الجسم خلال الأشهر الباردة.

ويعكس هذا التقليد العلاقة الوثيقة التي كانت تربط الغذاء بالمناخ واحتياجات الجسم، إذ اعتادت المجتمعات تناول ما تنتجه البيئة في كل موسم.

اعتمدت المجتمعات على تجفيف النباتات والبقوليات وتخزينها لاستخدامها عند تراجع الإنتاج الطازج، وهو ما وفر مصدرًا مستدامًا للغذاء، وعكس معرفة متراكمة بأنواع المحاصيل المحلية الموسمية التي تنمو بالبيئة المحلية ودوراتها الطبيعية.

كيف ابتعد العالم عن المحاصيل المحلية الموسمية؟

خلال القرن الماضي، غيرت الزراعة الصناعية والتبريد وسلاسل الإمداد العالمية شكل الأنظمة الغذائية، إذ أصبح بالإمكان شراء معظم المنتجات على مدار العام، بصرف النظر عن الموسم أو المنطقة الجغرافية، وهو ما وسّع خيارات المستهلكين وأسهم في تحسين كفاءة الإنتاج وإمدادات الغذاء.

غير أن هذا التحول جاء على حساب المحاصيل المحلية الموسمية والوجبات المرتبطة بأوقات محددة من العام، وبنمو هذه المحاصيل، إذ شجعت سياسات الدعم والإنتاج الزراعي المكثّف على التوسع في عدد محدود من المحاصيل الأساسية، مثل: القمح والأرز والذرة، التي توفر حاليًا نحو 42% من السعرات الحرارية التي يستهلكها سكان العالم، وفقًا لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو).

اقرأ أيضًا: كيف استعادت مطاحن الحبوب المحلية نكهة الدقيق في أميركا؟

أدى ذلك إلى تراجع زراعة محاصيل تقليدية عديدة واختفاء أطباق ارتبطت بها عبر قرون، لتفقد المجتمعات تدريجيًا جزءًا من معارفها الغذائية المتوارثة.

غيرت الزراعة الصناعية والتبريد وسلاسل الإمداد العالمية شكل الأنظمة الغذائية
غيرت الزراعة الصناعية والتبريد وسلاسل الإمداد العالمية شكل الأنظمة الغذائية – الصورة من فوود برنت

أقرا أيضًا: التحول إلى أنظمة غذائية مستدامة أصبح ضرورة

اختفاء المحاصيل الموسمية يعني فقدان المعرفة

تمثل شجيرة “لانا” مثالًا واضحًا على هذا التحول؛ فهي لا تزال تنمو في بعض مناطق الصحراء، لكن قليلين فقط يعرفون كيفية استخدامها في إعداد الوجبات، بعدما تراجعت زراعة الدخن، وحلت محاصيل أخرى محلها.

يرى الباحثون أن القيمة الحقيقية لهذه الأطعمة لا تقتصر على فوائدها الغذائية المحتملة، وإنما تمتد إلى كونها نتاج قرون من التكيف مع البيئة المحلية. فقد شكلت الثقافات الغذائية التقليدية نظامًا لنقل المعرفة حول الفصول، ومصادر الغذاء، وطرق الحفظ، وكيفية الاستفادة من الموارد الطبيعية المتاحة.

لم تقتصر هذه الممارسات على الهند، بل ظهرت في مناطق مختلفة من العالم، حيث اعتمد سكان القطب الشمالي على مواسم هجرة الحيوانات، بينما ارتبطت الأنظمة الغذائية في حوض الأمازون بدورات الفيضانات الموسمية.

التنوع الغذائي يعزز الأمن الغذائي

يؤكد الباحثون أن التنوع في المحاصيل ومصادر الغذاء يمثل اليوم أحد أهم عناصر بناء أنظمة غذائية أكثر قدرة على مواجهة آثار تغير المناخ. فالاعتماد على عدد محدود من المحاصيل يجعل الإنتاج الزراعي أكثر عرضة للمخاطر، بينما يوفر التنوع بدائل تقلل من تأثير الجفاف والحرارة والظروف الجوية المتطرفة.

كما أن الاعتماد على حلول موحدة لمعالجة مشكلات التغذية، مثل تدعيم بعض المحاصيل بالعناصر الغذائية، قد لا يكون كافيًا بمفرده، في حين يتيح التنوع الغذائي الحصول على عناصر غذائية متعددة بصورة طبيعية.

التنوع في المحاصيل ومصادر الغذاء يمثل اليوم أحد أهم عناصر بناء أنظمة غذائية
التنوع في المحاصيل ضروري لبناء أنظمة غذائية – الصورة من ثرايف لوت

أقرا أيضًا: الأسمدة الحيوية في الهند قد تكون علاجًا للأزمة الحالية.. دعوات من خبراء

العودة إلى التنوع وليس إلى الماضي

لا يدعو الباحثون إلى التخلي عن الأنظمة الغذائية الحديثة أو العودة الكاملة إلى أساليب الماضي، وإنما إلى دمج المعرفة التقليدية مع التقنيات الزراعية الحديثة؛ للحفاظ على المحاصيل المحلية، وتشجيع استهلاك المنتجات الموسمية.

ومع تزايد هشاشة سلاسل الإمداد العالمية واستمرار اضطرابات المناخ، تبدو إعادة الاعتبار للمحاصيل المحلية والتنوع الغذائي خطوة ضرورية لبناء أنظمة غذائية أكثر استدامة، وتعزيز الأمن الغذائي، وضمان قدرة المجتمعات على التكيف مع تحديات المستقبل.

مزيد من التفاصيل: 

تقرير المنتدي الاقتصادي العالمي