أصبح السعي نحو أنظمة غذائية مستدامة ضرورة ملحة في ظل التحديات المزدوجة المتمثلة في تغير المناخ والطلب العالمي المتزايد على الغذاء؛ بسبب ارتفاع السكان.
وتشكل الآثار الواسعة النطاق لتغير المناخ، من تغير أنماط الطقس إلى ازدياد الكوارث المرتبطة بالمناخ، تهديدات خطيرة للأمن الغذائي العالمي.
وتؤدي هذه التغيرات إلى تراجع إنتاجية الأراضي الزراعية وزيادة المخاطر التي تواجه المزارعين، خاصة في دول الجنوب العالمي التي تعتمد بشكل كبير على الزراعة كمصدر رئيس للغذاء والدخل.
وفي الوقت ذاته، أدى النمو السكاني العالمي إلى زيادة الطلب على الغذاء، ما دفع إلى التوسع في استغلال الأراضي الزراعية واستخدام الأسمدة والمبيدات الكيميائية بصورة مكثفة، وهو ما تسبب في أضرار بيئية واسعة النطاق، شملت: تدهور التربة وفقدان التنوع البيولوجي وارتفاع انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بحسب تقرير لـ ” مؤسسة أوبزرفر للأبحاث”، اطلعت عليه “غذاء ومناخ”.
أنظمة غذائية مستدامة لمواجهة تزايد الجوع
يتزايد الجوع العالمين ما يخلق ضرورة أكبر لبناء أنظمة غذائية مستدامة، ووفق البيانات الواردة في التقرير، تراوح عدد الأشخاص الذين عانوا من الجوع خلال عام 2020 عند 720-811 مليون شخص، كما ارتفع معدل نقص التغذية إلى نحو 9.9% من سكان العالم، مقارنة بـ8.4% في العام السابق له، بعد سنوات من الاستقرار النسبي.
ويعكس هذا الارتفاع حجم التحديات التي تواجه إنتاج الغذاء، خاصة مع تراجع إنتاجية الأراضي الزراعية وتزايد الضغوط على الموارد الطبيعية.
أقرا أيضًا: مربو الأغنام في جنوب أفريقيا يواجهون الجفاف ونقص الأمطار
50% من المحاصيل العالمية قد تتعرض للفقدان بسبب الآفات
أدى السعي إلى زيادة الإنتاج الزراعي لتلبية الطلب العالمي إلى الاعتماد بشكل متزايد على المبيدات والأسمدة الكيميائية، ورغم دورها في حماية المحاصيل من الآفات والأمراض، فإن استخدامها المكثف يحمل مخاطر كبيرة على البيئة وصحة الإنسان.
ويشير التقرير إلى أن أكثر من 50% من المحاصيل العالمية قد تتعرض للفقدان؛ بسبب الآفات والأعشاب الضارة والأمراض في حال غياب وسائل الحماية الزراعية.
إلا أن الاستخدام المفرط للمواد الكيميائية يؤدي إلى تلوث التربة والمياه ويغير التركيب البيوكيميائي للأغذية، كما يرتبط بزيادة مخاطر الإصابة بأمراض مثل السرطان والاضطرابات العصبية ومشكلات الجهاز التنفسي والتناسلي.

ومع توقعات بانخفاض إنتاجية المحاصيل لكل وحدة من الأراضي الزراعية، تزداد الحاجة إلى التوسع في استخدام الأراضي لإنتاج الغذاء.
ويحذر التقرير من أن هذه الاتجاهات ستؤدي إلى تدمير الموائل الطبيعية للكائنات الحية وتسريع وتيرة فقدان التنوع البيولوجي.
كما أن التعرية واستنزاف الموارد الطبيعية يسهمان في تدهور جودة التربة، ما يقلص قدرتها على دعم الإنتاج الزراعي مستقبلًا ويهدد استدامة النظم البيئية.
أقرا أيضًا: الدفء يهدد القمح الشتوي بالجفاف الثلجي (دراسة)
سلامة الغذاء تحت ضغوط المناخ
لا يقتصر تأثير تغير المناخ في حجم الإنتاج الزراعي فحسب، بل يمتد إلى سلامة الغذاء وجودته. فالعوامل المرتبطة بالمناخ مثل تلوث الهواء والتقلبات الحادة في درجات الحرارة وانتشار الآفات الزراعية تؤثر بشكل مباشر في القيمة الغذائية للأغذية وفي الأمن الغذائي العالمي.
كما يؤدي تغير المناخ إلى اضطراب التوازن القائم بين المحاصيل الزراعية والحشرات الملقحة والآفات والأعشاب الضارة، وهو ما ينعكس سلبًا على استقرار الإنتاج الغذائي.
وألقت جائحة كوفيد-19 بظلالها على قطاعي الغذاء والزراعة، حيث أدت اضطرابات سلاسل الإمداد وفقدان الوظائف والدخول إلى زيادة معدلات الجوع وسوء التغذية حول العالم.
ووفقا لتقرير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) بشأن الأمن الغذائي والمساواة بين الجنسين، بلغ عدد الجوعى حول العالم نحو 828 مليون شخص في عام 2021، فيما عانت النساء من انعدام الأمن الغذائي بمعدل يفوق الرجال بنحو 150 مليون امرأة.
كما أسهمت الجائحة في زيادة الأعباء الاقتصادية والاجتماعية الواقعة على النساء العاملات في الأنشطة الزراعية والغذائية، ما كشف عن هشاشة أوضاعهن داخل سلاسل القيمة الغذائية.

قطاع الغذاء مسؤول عن ثلث الانبعاثات تقريبًا
يشير التقرير إلى أن قطاع الغذاء يسهم بما يصل إلى 30% من إجمالي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري عالميًا، كما يستهلك نحو 70% من موارد المياه العذبة.
وتشغل الأنشطة الزراعية أكثر من 40% من مساحة اليابسة على كوكب الأرض، فيما تعد التغيرات في استخدام الأراضي الزراعية السبب الرئيس لفقدان التنوع البيولوجي.
وتُعد المنتجات الغذائية ذات المصدر الحيواني، وخاصة اللحوم الحمراء، من أكثر المنتجات تأثيرًا في البيئة بسبب ما تتطلبه من موارد طبيعية كبيرة وما ينتج عنها من انبعاثات مرتفعة، وكلها عوامل تتطلب الاعتماد على أنظمة غذائية مستدامة.
أقرا أيضًا: مكافحة تغير المناخ تهدد الأمن الغذائي العالمي (دراسة صادمة)
تحقيق الأمن الغذائي العالمي يتطلب إعادة هيكلة نظم إنتاج وتوزيع الغذاء (بمعنى التحول إلى أنظمة غذائية مستدامة)، بما يحقق التوازن بين الأبعاد البيئية والاجتماعية والاقتصادية، كما يشدد على أهمية بناء نظم غذائية أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع تغير المناخ، خاصة في دول الجنوب العالمي التي تتحمل النصيب الأكبر من تداعيات الأزمات الغذائية والمناخية، وفق التقرير.
مزيد من التفاصيل:
تقرير مؤسسة أوبزرفر للأبحاث

