حذرت دراسة علمية حديثة من أن ظاهرة “الجفاف الثلجي” باتت تشكل تهديدًا متزايدًا لإنتاج القمح الشتوي، أحد أهم المحاصيل الغذائية والتجارية في العالم، ما يضع الأمن الغذائي العالمي أمام تحديات جديدة.
والقمح الشتوي، هو نوع من هذه الحبة، يُزرع في الخريف، ويدخل في حالة سكون خلال الشتاء، ثم يُحصد في أوائل الصيف التالي، ويحتاج إلى درجات حرارة منخفضة “قريبة من التجمد” ليبدأ لاحقًا مرحلة النمو الخضري السريع في الربيع.
ومن مميزاته أنه يُستخدم “كمحصول تغطية”، حيث تحمي جذوره سطح التربة من الانجراف والتآكل خلال فصل الشتاء، كما يكافح انتشار الأعشاب الضارة.
أظهرت الدراسة، التي أجراها باحثون من جامعة “هونغ كونغ بولي تكنيك يونيفيرستي”؛ بقيادة البروفيسور شو وانغ، الأستاذ المشارك في قسم مسح الأراضي والمعلومات الجغرافية، بالتعاون مع جامعات دولية، أن ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الشتاء أدى إلى تراجع معدلات تساقط الثلوج في العديد من المناطق الزراعية، وهو ما انعكس سلبًا على إنتاجية القمح الشتوي المعتمد على الغطاء الثلجي كمصدر للحماية والرطوبة.
القمح الشتوي يفقد غطاءه الطبيعي
وكشفت الدراسة أنه خلال الستين عامًا الماضية، ازداد تواتر تلك الظاهرة المناخية (الجفاف الثلجي) في أراضي زراعة القمح الشتوي في نصف الكرة الشمالي بشكل ملحوظ.
وأشارت إلى أن نسبة الأراضي الزراعية المتأثرة بالجفاف الثلجي ارتفعت من 46-54% في المدة 1960-1970 إلى 70-99% في المدة 2010-2020، مما يعكس تحول الجفاف الثلجي من خطر محلي إلى ظاهرة واسعة الانتشار.
ويعتمد هذا القمح على الغطاء الثلجي باعتباره طبقة عازلة تحمي النباتات من موجات الصقيع القاسية، كما يوفر مصدرًا مهمًا للمياه خلال موسم النمو.
أقرا أيضًا: زراعة القمح بمياه مالحة في مصر.. 8 آلاف جزء في المليون
مع تراجع الثلوج نتيجة ارتفاع درجات الحرارة، أصبحت المحاصيل أكثر عرضة لأضرار التجمد ونقص الرطوبة، ما يؤدي إلى تراجع الإنتاجية وزيادة مخاطر خسائر المحصول.
وطور الباحثون نموذجًا متقدمًا قائمًا على تقنيات التعلم الآلي القابل للتفسير؛ لتحليل التأثير المباشر للجفاف الثلجي في المحاصيل الزراعية.
وأظهرت النتائج أن نحو 45% من الأراضي الزراعية في نصف الكرة الشمالي تعرضت لتأثيرات سلبية كبيرة نتيجة الجفاف الثلجي، فيما جاءت أوروبا وآسيا الوسطى والولايات المتحدة في مقدمة المناطق الأكثر تضررًا.

الأسمدة والتجمد وقلة الأمطار تزيد المخاطر
حدد الباحثون 3 عوامل رئيسة تجعل القمح الشتوي أكثر حساسية للجفاف الثلجي، تشمل زيادة استخدام الأسمدة، وتصاعد ضغوط التجمد، وتراجع معدلات هطول الأمطار.
ورغم أن زيادة المغذيات في التربة تدعم نمو المحاصيل، فإنها تجعل النباتات أكثر اعتمادًا على المياه والعزل الحراري اللذين يوفرهما الغطاء الثلجي، ما يفاقم خسائر الإنتاج عند حدوث الجفاف الثلجي.
أقرا أيضًا: زراعة القمح المحلي الجورجي تزيد الإنتاجية وتقاوم الأمراض
تداعيات تتجاوز الحقول إلى الأسواق العالمية
قال البروفيسور شيو وانغ، قائد الدراسة، إن المخاطر المناخية لم تعد تقتصر على الظواهر الحادة مثل موجات الحر، بل تشمل أيضًا ضغوطًا مزمنة تتراكم تدريجيًا بمرور الوقت، مثل الجفاف الثلجي.
وأضاف أن القمح الشتوي يمثل سلعة أساسية في التجارة الزراعية العالمية، وبالتالي فإن أي تراجع في إنتاجيته يمكن أن ينعكس على الأسواق الدولية من خلال ارتفاع أسعار الغذاء، وزيادة احتمالات حدوث أزمات غذائية في بعض المناطق.

أقرا أيضًا: أفغانستان تشتري القمح الروسي خوفًا من توقف إمدادات إيران مع تصاعد الحرب مع إسرائيل
ودعت الدراسة إلى تعزيز قدرة الأنظمة الزراعية على التكيف مع التغيرات المناخية من خلال تطوير أصناف جديدة من المحاصيل تتحمل البرد والجفاف في آن واحد، إلى جانب تحسين إدارة المغذيات الزراعية، وتبني ممارسات إنتاج أكثر استدامة.
وأوصى الباحثون المشاركون في الدراسة، بإدراج مراقبة الغطاء الثلجي ضمن أنظمة الإنذار المبكر، وتقييم المخاطر الزراعية، وأكدوا أن تعزيز مرونة القطاع الزراعي أصبح ضرورة؛ لضمان استقرار إنتاج الغذاء في عالم يشهد تغيرات مناخية متسارعة.
مزيد من التفاصيل:

