آثار تغير المناخ في كمبوديا لم تعد تقتصر على تراجع الإنتاج الزراعي، بل امتدت لتقوض الأمن الغذائي وتزيد معدلات الفقر والديون بين السكان الأصليين، في وقت أصبحت فيه الغابات الملاذ الأخير لتوفير الغذاء والدخل.
كشفت دراسة أجرتها منظمة “وورلد فيجن كمبوديا” على 329 أسرة من السكان الأصليين، في مقاطعات بورسات وموندولكيري وراتاناكيري، أن 85% من الأسر تعاني انخفاضًا في إنتاجية محاصيلها بسبب تغير المناخ، بينما أدى غياب آليات فعالة للحد من المخاطر المناخية إلى زيادة معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي، ودفع العديد من الأسر إلى الاعتماد بصورة أكبر على الموارد الطبيعية التي توفرها الغابات.
تحذر نتائج الدراسة من أن الأطفال هم الأكثر تضررًا من تداعيات تغير المناخ في كمبوديا، إذ يواجهون مستويات متزايدة من سوء التغذية، بينما يمثل كبار السن والأرامل الفئات الأكثر عرضة لانعدام الأمن الغذائي، الأمر الذي يعزز الحاجة إلى توسيع الاستثمار في الزراعة القادرة على التكيف مع تغير المناخ، ودعم النظم الغذائية التقليدية للسكان الأصليين، وفق تقرير اطلعت عليه “غذاء ومناخ”.
تغير المناخ في كمبوديا يضغط على العاملين بالزراعة
تشكل الزراعة المصدر الرئيس للدخل بالنسبة للسكان الأصليين في كمبوديا، حيث يعمل نحو 71% منهم في الأنشطة الزراعية، إلا أن تراجع الإنتاج دفع كثيرين إلى البحث عن مصادر دخل إضافية، إذ يعمل 46% كعمالة يومية، و35% في تربية الماشية، فيما يعتمد نحو 16% على جمع المنتجات غير الخشبية من الغابات، مثل الفطر والعسل والثمار البرية والأعشاب الطبية، لتوفير الغذاء وتحقيق دخل إضافي.
أظهرت الدراسة أن 47% من الأسر لا يتجاوز دخلها السنوي 5 ملايين ريال كمبودي (1.244 ألف دولارًا أميركيًا)، في حين لا تتعدى نسبة من يزيد دخلهم على 10 ملايين ريال سنويًا 11%.
أفاد 60% من المشاركين بانخفاض كبير في دخولهم، بينما أكد 88% أنهم لا يمتلكون أي مدخرات أو لم ينضموا إلى مجموعات الادخار المجتمعية، ما يزيد من هشاشتهم أمام الصدمات الاقتصادية والمناخية.

أقرا أيضًا: ماهو مستقبل الزراعة في عالم يزداد حرارة؟
الزراعة للاستهلاك المنزلي أكثر من السوق
توضح نتائج الدراسة أن الكسافا تعد المحصول الأكثر زراعة بنسبة تقارب 56%، يليها الكاجو والخضروات، بينما يمثل الأرز نحو 12% فقط من إجمالي المحاصيل، وهو ما يعكس اعتماد معظم الأسر على الزراعة لتلبية احتياجاتها الغذائية اليومية أكثر من كونها نشاطًا تجاريًا.
في قطاع الثروة الحيوانية، يربي أكثر من 60% من الأسر الدجاج، و35% الأبقار، و18% الخنازير، كمصادر إضافية للغذاء والدخل
مع تراجع إنتاجية المحاصيل وازدياد موجات الجفاف والكوارث الطبيعية نتيجة تغير المناخ في كمبوديا، أصبحت المنتجات غير الخشبية للغابات تمثل عنصرًا أساسيًا في بقاء كثير من الأسر، وتشمل الثمار البرية والفطر والعسل والأعشاب التقليدية التي تُجمع دون قطع الأشجار.
تشير الدراسة إلى أن الأسر الأكثر فقرًا والأشد تأثرًا بمخاطر تغير المناخ في كمبوديا؛ هي الأكثر اعتمادًا على هذه الموارد، خاصة خلال المدة من يوليو/تموز إلى سبتمبر/أيلول، وقد تمتد حتى أكتوبر/تشرين الأول من كل عام، وهي المدة التي تشهد أعلى معدلات نقص الغذاء.
أكد نحو 70% من المشاركين أن اعتمادهم على المحاصيل الموسمية خلال موسم الأمطار؛ يجعلهم أكثر عرضة لنقص الغذاء عند تراجع الإنتاج.
أقرا أيضًا: تقرير حكومي: الزراعة بدون حرث في أميركا تستخدم المبيدات بكثافة

الأطفال الأكثر تضررًا
تبرز الدراسة الآثار الصحية للأزمة المناخية في كمبوديا، إذ كشفت أن أكثر من 80% من أطفال السكان الأصليين لا يحصلون على نظام غذائي متنوع يضم 3 مجموعات غذائية أو أكثر، وهو ما يرفع مخاطر سوء التغذية ونقص العناصر الغذائية الأساسية.
أظهرت الدراسة أيضًا أن أكثر من 70% من السكان يشعرون بوضوح بآثار تغير المناخ في حياتهم اليومية، بينما أكد 85% أن الظاهرة أدت إلى انخفاض كبير في إنتاجية المحاصيل، فضلًا عن تأثيرها السلبي في الموارد المائية والصحة وسبل المعيشة.
أقرا أيضًا: الزراعة في بيئات مُتحكم بها للخضروات الورقية تخفض الانبعاثات (دراسة)
الديون تتفاقم مع تصاعد الضغوط المناخية
لمواجهة الخسائر الناجمة عن تغير المناخ في كمبوديا، اضطرت أعداد متزايدة من الأسر إلى بيع المنازل والأراضي، أو اللجوء إلى الاقتراض من مؤسسات التمويل الأصغر أو المقرضين غير الرسميين.
أظهرت الدراسة أن 90% من الأسر تقع في دائرة الديون لتغطية الاحتياجات الأساسية، وفي مقدمتها شراء الغذاء، ما يعكس حجم الضغوط الاقتصادية التي تواجهها المجتمعات المحلية.
طالب المشاركون بتوفير أصناف زراعية وسلالات ماشية أكثر قدرة على تحمل التغيرات المناخية، إلى جانب توسيع شبكات الري، وتعزيز خدمات الإرشاد والتدريب الزراعي.
- مزيد من التفاصيل:

