الزراعة التجديدية أبرز الموضوعات المطروحة في فعاليات أسبوع المناخ في نيويوركالزراعة التجديدية أبرز الموضوعات المطروحة في فعاليات أسبوع المناخ في نيويورك - الصورة وكالة رويترز

مع تصاعد الاهتمام العالمي بعمليات الزراعة التجديدية، تتسابق كبرى شركات الأغذية والأعمال الزراعية على إعلان تعهدات ومبادرات تستهدف إدخال ممارسات جديدة إلى سلاسل إمداداتها، في وقت لا يزال فيه تعريف هذه العمليات نفسها موضع نقاش، كما أن استخدام المصطلح لا يخضع لتنظيم واضح.

ومع انطلاق فعاليات أسبوع المناخ يوم الأحد 20 سبتمبر/أيلول الجاري، تبدو الزراعة التجديدية من أبرز الموضوعات المطروحة في نسخة 2026.

في “ريجن هاوس”، تستضيف شركات دانون ومارس ونستله جلسات حول الزراعة التجديدية، بينما تضم قائمة رعاة الحدث بعض أكبر الشركات العاملة في سلاسل إمدادات الغذاء والمدخلات الزراعية، من بينها “إيه دي إم”  ADM الدولية لتجارة الحبوب، وبيبسيكو، وول مارت، أكبر شركة تجزئة في العالم.

تعلن شركة “جيه بي إس”  JBS، أكبر شركة للحوم في العالم، هدفًا يتمثل في “دعم المزارعين في تبني ممارسات الزراعة التجديدية، بينما تقول شركة كيريج دكتور بيبر، إنها دعمتها والحفاظ على الموارد في مساحة تقترب من 200 ألف فدان منذ عام 2022.

استفادة البعض من مفهوم الزراعة التجديدية غير المحدد

أظهر استطلاع أجرته “كونسيومر ريبورتس” أن نحو ربع المشاركين سمعوا بمصطلح “الزراعة التجديدية أو الزراعة التجديدية المستدامة”، مقارنة بـ18% قبل 3 سنوات، وهي زيادة ذات دلالة إحصائية.

لكن رغم ارتفاع الوعي، لا يزال التعريف الدقيق للمصطلح موضع خلاف، كما أن استخدامه غير منظم، ويتفق معظم المعنيين على أن الزراعة التجديدية تقوم أساسًا على بناء التربة الصحية والحفاظ عليها، مع ارتباط بعض ممارساتها بأساليب استخدمتها الشعوب الأصلية، وأخرى بالزراعة العضوية والحيوية والزراعة المستدامة القائمة على النظم الطبيعية.

في بعض الحالات تتداخل هذه الأساليب، بينما تكون الممارسات التي توصف بأنها “تجديدية” مجرد إضافات إلى أنظمة زراعية صناعية لا تشترك كثيرًا مع تلك الأساليب، كما أن تعهدات شركات الأغذية الكبرى قد لا تتوافق دائمًا مع توقعات المستهلكين.

قالت سارة ستارمان، كبيرة مسؤولي الحملات الخاصة بالغذاء والزراعة في منظمة “أصدقاء الأرض”، إن القضية “معقدة للغاية” وتسبب التباسًا للمستهلكين والشركات والمزارعين، مشيرة إلى وجود جهات تدفع مشروعات الزراعة التجديدية إلى الأمام، وأخرى تستفيد من الطبيعة غير المحددة للمفهوم.

تكون الممارسات التي توصف بأنها تجديدية مجرد إضافات إلى أنظمة زراعية
تكون الممارسات التي توصف بأنها تجديدية مجرد إضافات إلى أنظمة زراعية صناعية – الصورة من سيول كابيتال فارمنغ

اقرأ أيضًا: في أول أيام كوب29.. الزراعة التجديدية تحظى باهتمام الشركات الكبيرة

المحاصيل الغطائية والزراعة دون حرث تتصدر تعهدات الشركات

على عكس الزراعة العضوية التي نشأت من حركة قادها المزارعون قبل أن تضع الحكومة الأميركية معاييرها في 1990، ظهرت الزراعة التجديدية بسرعة خلال سنوات قليلة، مع دخول شركات الأغذية الكبرى إلى المجال.

تعهدت جنرال ميلز بتطوير الزراعة التجديدية على مساحة مليون فدان في الولايات المتحدة بحلول 2030، كما أطلقت شراكة مع وول مارت وإيه دي إم.

قال جاي واتسون، المدير الأول للاستدامة بالشركة، إن جنرال ميلز تعتمد على التربة الصحية والمياه النظيفة والمجتمعات الزراعية المزدهرة لإنتاج مكونات علامات مثل بيلسبري وتشيريوس.

أما بيبسيكو، فأعلنت في 2025 توسيع تبني “الممارسات التجديدية أو الاستصلاحية أو الوقائية” إلى 4.7 مليون فدان ضمن سلاسل إمداداتها، ورفعت هدفًا سابقًا يبلغ 7 ملايين فدان إلى 10 ملايين فدان بحلول 2030.

قالت مارغريت هنري، نائبة رئيس بيبسيكو للزراعة المستدامة، إن الشركة تستهدف تحسين صحة التربة والمياه والنتائج الاقتصادية للمزارعين، مشيرة إلى أن استمرار إنتاج منتجات مثل كويكر أوتس ودوريتوس وتشيتوس وتوستيتوس يتطلب استمرار المزارعين في زراعة المحاصيل التي تدخل في صناعتها.

خلال زيارة لمزارعي الذرة في إلينوي، شاهدت هنري أثر المحاصيل الغطائية (نباتات تُزرع لتغطية التربة وحمايتها بين مواسم النمو  بدلًا من حصادها) بعد أمطار غزيرة أعقبت جفافًا طويلًا؛ ففي الحقول التي اُستخدمت فيها هذه المحاصيل، ساعدت الجذور على تفكيك التربة وإنشاء مسارات سمحت للمياه بالتسرب، بدلًا من غمر الحقول.

تركز شركات الأغذية الكبيرة على المحاصيل الغطائية والزراعة دون حرث أو تقليل الحرث، وتوجد برامج مماثلة لدى كارجيل وإيه دي إم ويونيليفر ووول مارت.

اقرأ أيضًا: تدهور أكثر من 60% من التربة الزراعية الأوروبية بسبب الزراعة المكثفة

المحاصيل الغطائية والزراعة دون حرث تتصدر تعهدات الشركات
المحاصيل الغطائية تتصدر تعهدات الشركات- الصورة من موقع فوود بافيرج أوت لوت

8 مؤشرات لقياس الاستدامة

تعمل معظم كبريات الشركات مع منظمة “فيلد تو ماركت”، التي أصدرت في 2025 أول تعريف لها للزراعة التجديدية وإرشادات لتطبيقها.

تتيح منصة المنظمة التابعة للشركات تتبع 8 مؤشرات، هي استخدام الطاقة والأراضي، وانبعاثات غازات الاحتباس الحراري، واستخدام مياه الري وجودة المياه، وكربون التربة والحفاظ عليها، والتنوع البيولوجي.

قالت كاري فولمر-ساندرز، رئيسة “فيلد تو ماركت”، إن مشروعات عديدة تدمج أيضًا “إدارة المغذيات”، التي تستهدف استخدام الأسمدة بكفاءة أكبر لتقليل الجريان السطحي والانبعاثات.

أثبتت المحاصيل الغطائية والزراعة دون حرث فوائد بيئية واقتصادية، منها الحد من الفيضانات والاحتفاظ بالمياه وتقليل تآكل التربة والجريان السطحي، لكن قدرتها على الحد من تغير المناخ لا تزال موضع نقاش.

اقرأ أيضًا: تدهور الأراضي مستمر منذ 12 ألف عام

هل تكفي الممارسات التجديدية؟

يرى بعض الخبراء أن وصف هذه الممارسات بأنها “تجديدية” قد يكون مضللًا، لأنها تُطبق داخل النظام الزراعي نفسه الذي أسهم في خلق المشكلات البيئية التي تسعى الشركات إلى معالجتها.

ويشير منتقدون إلى أن زراعة عدد محدود من المحاصيل على مئات الملايين من الأفدنة، مع التركيز على زيادة الإنتاجية، أسهمت في تدهور التربة التي تحاول الشركات استعادتها.

ويتساءل براندون ويلش، الرئيس التنفيذي لشركة “ماد كابيتال”، التي تمول انتقال المزارعين إلى الزراعة العضوية والتجديدية، عما إذا كان الهدف الحقيقي هو إنتاج كميات هائلة من الذرة وفول الصويا وفق ممارسات تجديدية على مئات الملايين من الأفدنة.

نقطة الخلاف الأكبر

يمثل استخدام المبيدات والأسمدة الكيميائية أكثر جوانب تعهدات الزراعة التجديدية إثارة للجدل، إذ ترى ستارمان أن استخدام المبيدات في الزراعة السلعية “يتعارض بشكل أساسي مع أهداف الزراعة التجديدية”، وعدّت أن خفض المواد الكيميائية الاصطناعية والسامة أو القضاء عليها ضروري لنظام غذائي مستدام وعادل وصحي.

كما حذرت من أن التقاطع بين الزراعة التجديدية والكيماويات الزراعية يمثل مجالًا لـ”الغسل الأخضر”.

  • مزيد من التفاصيل: