يهدد دعم طفرة الذكاء الاصطناعي من خلال بناء مراكز البيانات بالتهام مساحات إضافية من الأراضي الزراعية، إذ زاد الطلب عليها بشدة مؤخرًا، ما يثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل إنتاج الغذاء في ضوء هذا التطور.
أثارت هذه الطفرة ردود فعل سلبية في مناطق مثل مقاطعة مونتور بولاية بنسلفانيا الأميركية، حيث يهدد فقدان الأراضي الزراعية، وارتفاع أسعار العقارات، إلى جانب مجموعة من المخاوف البيئية، بزعزعة استقرار المجتمعات الزراعية.
تكشف المعركة التي خاضها مزارعون وسكان محليون في مقاطعة مونتور ضد مشروع لإنشاء مركز بيانات؛ عن حجم التوتر المتزايد بين التوسع السريع في البنية التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي والحفاظ على الأراضي الزراعية.
كانت المقاطعة قد شهدت مقترحًا لإعادة تصنيف أكثر من 800 فدان من الأراضي الزراعية لإفساح المجال أمام إنشاء مركز بيانات، وهو المشروع الذي واجهه السكان بمعارضة استمرت لأشهر.
كانت شركة “تالين إنرجي” تسعى إلى الشراكة مع “أمازون ويب سيرفيسز” لإنشاء مركز بيانات في المنطقة، وهو ما كان سيؤدي إلى إخراج مزارعين من الأراضي التي يستأجرونها من تالين، فضلًا عن تقليص مساحة الأراضي الزراعية في مقاطعة تتناقص رقعتها الزراعية منذ مدة.
مزارعون في مواجهة مراكز البيانات
المزارعان مارك شولتز ومايك ليهاو من بين مئات المعارضين لمشروع مركز بيانات شركة ” “تالين إنرجي” في الوقت الذي يخشي فيه السكان من أن تتحول المنطقة إلى نموذج آخر للتوسع الكبير في مراكز البيانات على حساب النشاط الزراعي.
تعززت هذه المخاوف بسبب تجربة قريبة في بيرويك، على بعد نحو 20 ميلًا من الموقع المقترح في مقاطعة مونتور، حيث باعت “تالين إنرجي” مؤخرًا مركز بيانات يعمل بالطاقة النووية إلى أمازون.
تعمل أمازون على توسيع ذلك المجمع إلى قدرة تبلغ 960 ميغاوات، وهي كمية من الطاقة تعادل الاستهلاك السنوي لما يقارب من خُمس جميع الأسر في ولاية بنسلفانيا.
إلا أنه بعد أيام قليلة من تصاعد المعارضة، رفض مفوضو مقاطعة مونتور بالإجماع طلب إعادة تصنيف الأراضي.
اقرأ أيضًا: التغير المناخي.. هل يحمل مكاسب مؤقتة للمزارعين؟

أرض بنسلفانيا خصبة لمراكز البيانات
لا تقتصر الضغوط على الأراضي الزراعية في مونتور، إذ أصبحت ولاية بنسلفانيا واحدة من المناطق الجاذبة لمشروعات مراكز البيانات في الولايات المتحدة.
تضم الولاية حاليًا أكثر من 50 مركز بيانات بأحجام مختلفة، فيما جرى اقتراح إنشاء 50 مركزًا إضافيًا على الأقل.
ترى جيني مارسيل-كيرسليك، وهي منظمة أولى في منظمة “فود آند ووتر ووتش” التي دعمت مقاومة المجتمع المحلي في مونتور، أن الولاية تحولت إلى بؤرة لمراكز البيانات بسبب توافر 3 عناصر أساسية لهذه المشروعات، وهي الطاقة والمياه والأراضي.
تُعد بنسلفانيا ثالث أكبر منتج للطاقة في الولايات المتحدة، وهو عامل مهم بالنسبة لمراكز البيانات التي تحتاج إلى كميات هائلة من الكهرباء لتشغيل أنظمتها وأجهزة الكمبيوتر الموجودة بها.
تمتلك الولاية أكبر شبكة من المجاري المائية في الولايات المتحدة المتصلة برًا، وهو ما يوفر مصدرًا مهمًا للمياه اللازمة لتبريد آلاف أجهزة الكمبيوتر داخل مراكز البيانات.
إلى جانب ذلك، تضم بنسلفانيا ملايين الأفدنة من الأراضي الزراعية المفتوحة والمسطحة نسبيًا، والتي تعد مناسبة لأعمال التطوير إذا أمكن تأمينها لمشروعات مراكز البيانات.
دعم حكومي للتوسع
يتزامن التوسع في مراكز البيانات مع توجه رسمي في الولاية لتشجيع الاستثمارات المرتبطة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
رحب جوش شابيرو، حاكم بنسلفانيا الديمقراطي، بتدفق الاستثمارات إلى الولاية، وروّج لاستثمار مقترح من أمازون بقيمة 20 مليار دولار.
وقّع شابيرو قانونًا يتضمن إعفاءً ضريبيًا على شراء معدات أساسية لمراكز البيانات، في خطوة تهدف إلى دعم الاستثمارات المرتبطة بهذه المنشآت.
تراجع الأراضي الزراعية
بالنسبة للمزارعين في مقاطعة مونتور ومناطق أخرى، يمثل التوسع في مراكز البيانات تهديدًا مباشرًا لمساحة الأراضي الزراعية، فضلًا عن المخاوف من انخفاض إنتاجية الأراضي المتبقية.
تبلغ مساحة مقاطعة مونتور 132 ميلًا مربعًا، وهي أصغر مقاطعات بنسلفانيا من حيث المساحة الجغرافية، لكنها فقدت حتى الآن 22% من أراضيها و28% من مزارعها خلال المدة 2017-2022.
كان من شأن إعادة تصنيف أكثر من 800 فدان لإقامة مركز البيانات أن يزيد من هذا الاتجاه.
بحسب مزارعين ومصادر محلية، كانت تالين قد اشترت أيضًا أراضي مجاورة إضافية، لكن استخدامها في النشاط الزراعي كان مرتبطًا بالحصول على موافقة لإعادة تصنيف أراضيها، ما كان سيؤدي إلى إخراج مساحة أكبر من الأراضي من النشاط الزراعي إذا نجح طلب الشركة.
قال آندي باتر، عضو مجلس إدارة مكتب الزراعة في بنسلفانيا، إن اختفاء الأراضي الزراعية يمكن أن يؤدي إلى “حلقة مفرغة” من ارتفاع الأسعار، بما يدفع المزارعين الحاليين إلى الخروج من النشاط ويجعل دخول مزارعين جدد إليه أكثر صعوبة.
اقرأ أيضًا: لوبيا العين السوداء تنقذ مزارعي ولاية أميركية من موجات الحرارة

قلق بشأن المياه والكهرباء
لا تتعلق المخاوف فقط بمساحة الأراضي التي قد تفقدها الزراعة، إذ تحتاج مراكز البيانات إلى كميات ضخمة من المياه لتبريد المعدات التي تعمل على مدار الساعة.
تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في مقاطعة مونتور، حيث يعتمد الغالبية العظمى من السكان والمزارع على الآبار للحصول على المياه.
وقال ليهاو، الذي يزرع 105 أفدنة من الذرة وفول الصويا في مقاطعة مونتور، على أرض اشتراها جده لأول مرة عام 1901 “إذا لم نحصل على المياه، فلن نستطيع البقاء”.
اقرأ أيضًا: ارتفاع أعمار المزارعين الأميركيين تحدي يواجه إنتاج الغذاء
كما يمتد التأثير إلى قطاع الطاقة أيضًا، إذ يتطلب تشغيلها كميات هائلة من الكهرباء، وهو ما يثير مخاوف بشأن الضغط على شبكات الكهرباء المحلية.
- مزيد من التفاصيل:

