ترتبط قضية التغير المناخي دائما بتراجع الإنتاج الزراعي وزيادة المخاطر التي تواجه المزارعين، إلا أن المفارقة أن بعض تداعياته قد تحقق مكاسب مؤقتة للقطاع الزراعي، خصوصًا عندما تؤدي الظروف المناخية القاسية إلى تقليص المعروض من بعض المحاصيل ورفع أسعارها في الأسواق.
تكشف التطورات الأخيرة في الولايات المتحدة عن هذا الجانب، إذ أسهمت موجات الحر الشديدة التي اجتاحت مناطق واسعة من الغرب الأوسط الأميركي، إلى جانب اضطراب معدلات هطول الأمطار، في زيادة المخاوف بشأن إنتاجية المحاصيل، وهو ما دفع أسعار الذرة إلى الارتفاع بصورة ملحوظة.
ساعدت المخاوف من تأثير درجات الحرارة المرتفعة في إنتاجية الذرة في صعود العقود الآجلة للمحصول بنحو 15% منذ نهاية يوليو/تموز، لتتجاوز الأسعار مستوى 5 دولارات للبوشل، وتسجل أعلى مستوياتها منذ عام 2023.
لا يعني ذلك أن المزارعين استفادوا من الحرارة المرتفعة بصورة مباشرة، بل إن الضرر المحتمل الذي ألحقته موجات الحرارة بالمحاصيل أدى إلى زيادة المخاوف بشأن المعروض، ومن ثم ارتفاع الأسعار.
ارتفاع الأسعار تعويض لجزء من أضرار التغير المناخي
بالنسبة إلى المزارعين الذين تمكنوا من الحفاظ على إنتاج جيد، فإن ارتفاع الأسعار يوفر فرصة لتعويض جزء من الخسائر التي تكبدوها خلال سنوات التى شهدت انخفاض أسعار الحبوب، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتضرر المحصول من التغير المناخي.
ويقول المزارع الأميركي ديف والتون، من ولاية آيوا، إن ارتفاع الأسعار كان موضع ترحيب كبير، موضحًا أنه باع جزءًا من محصوله خلال موجة الصعود الحالية، وهو ما ساعد مزرعته على تحقيق أرباح.
اقرأ أيضًا: تغير المناخ يهدد غذاء 7 دول في أفريقيا.. وتحركات للتكيف

معادلة مناخية معقدة
توضح هذه التطورات أن العلاقة بين التغير المناخي والزراعة ليست دائمًا خطية؛ فقد يؤدي الطقس القاسي إلى تراجع الإنتاج في بعض المناطق، لكنه في الوقت نفسه قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، ما يمنح المزارعين في مناطق أخرى، أو من نجوا من تأثيرات الطقس، فرصة لتحقيق عوائد أكبر.
وتعززت هذه الصورة مع تضرر محاصيل الذرة الأميركية من درجات الحرارة المرتفعة والأمطار غير المنتظمة، بالتزامن مع موجات حرارة أثرت في حصاد الحبوب في أوروبا، فضلًا عن اضطرابات صادرات الحبوب عبر البحر الأسود نتيجة الحرب الروسية الأوكرانية.
مع تراجع توقعات المعروض، ارتفع مؤشر “بلومبرغ للزراعة الفورية”، الذي يتتبع 10 منتجات زراعية رئيسة، بأكثر من 20% منذ نهاية يونيو/حزيران، ما أوجد ظروفًا مواتية للمزارعين الأميركيين الذين بدأوا في حصاد محاصيلهم وبيعها.
اقرأ أيضًا: أزمة المناخ في 18 دولة تنتقل إلى الموائد البريطانية
مكاسب لا تعني أن التغير المناخي مفيد
رغم هذه المكاسب، فإن وصف التغير المناخي عاملًا إيجابيًا للمزارعين سيكون قراءة غير دقيقة، فارتفاع الأسعار قد يعوض بعض المنتجين عن انخفاض المحاصيل، لكنه لا يلغي الأضرار الناجمة عن الحرارة الشديدة والجفاف والأمطار غير المنتظمة، كما أن ارتفاع الأسعار قد يضر بالمستهلكين ويرفع تكاليف الغذاء.

والمكاسب الناتجة أيضًا عن ارتفاع الأسعار تظل مرتبطة بظروف السوق، بينما قد تستمر الآثار المناخية السلبية لسنوات، وتزداد حدتها مع ارتفاع درجات الحرارة وتكرار الظواهر الجوية المتطرفة.
ارتفاع أسعار المحاصيل أعاد بعض التفاؤل للقطاع الزراعي الأميركي
ارتفاع أسعار المحاصيل أعاد بعض التفاؤل إلى القطاع الزراعي الأميركي، وتشير بيانات وزارة الزراعة في الولايات المتحدة إلى توقع ارتفاع الإيرادات النقدية للمزارعين من المحاصيل بنسبة 6.1% على أساس سنوي في 2026.
لكن المزارعين لا يزالون حذرين في قرارات الاستثمار، بعد سنوات من انخفاض الأسعار وارتفاع تكاليف التشغيل، ويترقبون مزيدًا من الاستقرار والربحية قبل الإقدام على شراء معدات زراعية جديدة أو توسيع استثماراتهم.
اقرأ أيضًا: النينو تدفع أسعار الغذاء في إستونيا إلى أعلى
وتكشف حالة المزارعين الأميركيين عن مفارقة مهمة في عصر التغير المناخي قد تتحول بعض تداعيات الأزمة المناخية إلى مكاسب اقتصادية مؤقتة لبعض المنتجين، لكن هذه المكاسب تأتي غالبًا نتيجة نقص المعروض وارتفاع الأسعار، وليس بسبب تحسن الظروف الزراعية نفسها.
- مزيد من التفاصيل:

