الاستزراع المائي في اليونانمزرعة أسماك في اليونان - الصورة من" إي إس سي نورث أميركا"

التوسع في الاستزراع المائي في اليونان يخلق تحديا متناميًا أمام جهود حماية الموارد البحرية، إذ تتحول صناعة يُعول عليها لدعم الأمن الغذائي، وتعزيز الصادرات إلى مصدر للضغط على النظم البيئية.

خليج أمفراكيكوس الواقع في غرب اليونان يعد نموذجًا لهذه المفارقة، حيث تتعايش مزارع الأسماك مع محمية بحرية تضم أنواعًا مهددة بالانقراض، وسط تدهور جودة المياه وتراجع الثروة السمكية وانحسار أنشطة الصيد التقليدي.

تنتج اليونان أكثر من 120 ألف طن من الأسماك المستزرعة سنويًا، تصدر معظمها إلى الأسواق الخارجية.

وتبلغ قيمة صناعة الاستزراع المائي في اليونان نحو 900 مليون دولار، لكن التوسع في هذا النشاط يثير تساؤلات بشأن تكلفته البيئية، خاصة في خليج أمفراكيكوس، الذي يضم 19 مزرعة أسماك نشطة و11 مزرعة مهجورة.

ورغم ذلك  تسعى الحكومة إلى زيادة المساحة المخصصة للاستزراع بأكثر من 110%، بهدف رفع الإنتاج السنوي المحلي إلى أكثر من 8 آلاف طن.

توسع الاستزراع المائي في اليونان يضغط على النظام البيئي

تكشف الأوضاع في خليج أمفراكيكوس عن المخاطر التي قد تصاحب التوسع في الاستزراع المائي في اليونان دون مراعاة الخصائص البيئية للمناطق المستهدفة.

فالخليج شبه مغلق، ولا يتصل بالبحر الأيوني إلا عبر ممر ضيق يقل عرضه عن نصف ميل، ما يجعل تجدد مياهه بطيئًا، ويسمح بتراكم مخلفات المزارع في قاع البحر.

وتشمل هذه المخلفات الأعلاف غير المستهلكة وفضلات الأسماك والمواد الكيميائية، التي تتداخل مع التلوث الصناعي ومخلفات الأنشطة الزراعية القادمة عبر نهرين يصبان في الخليج، لتسريع ظاهرة التخثث، التي تؤدي إلى ازدهار الطحالب الضارة واستنزاف الأكسجين من المياه.

ونتيجة لذلك، تدهورت المناطق المحيطة بأقفاص الاستزراع، وفُقدت أجزاء من موائل الأعشاب البحرية التي تسهم في امتصاص الكربون، فيما تواجه الكائنات البحرية ضغوطًا متزايدة، تشمل الدلافين قارورية الأنف المهددة بشدة بالانقراض، والسلاحف البحرية ضخمة الرأس، والبجع الدلماسي.

ولا تقتصر الأضرار على المخلفات العضوية، إذ تتسبب المزارع المهجورة في انتشار النفايات البحرية.

وتشير بيانات منظمة “أوزون” البيئية اليونانية إلى وجود أكثر من 140 مزرعة مهجورة في أنحاء البلاد، فيما تمثل كرات البوليسترين الممدد أكثر من ثلث النفايات الساحلية في المياه اليونانية، وفقًا لأبحاث المنظمة.

لجأت مجتمعات محلية إلى القضاء لمواجهة خطط التوسع
مجتمعات محلية تلجأ إلى القضاء لمواجهة خطط التوسع- الصورة من يورو نيوز

أقرا أيضًا: توسيع مصائد الأسماك في جزر القمر.. الاقتصاد الأزرق يفتح أبواب النمو (البنك الدولي)

الثروة السمكية والصيادون يدفعون الثمن

يمتد تأثير التدهور البيئي الناجم عن الاستزراع المائي في اليونان إلى المجتمعات المحلية التي تعتمد على الصيد التقليدي.

كما انخفض عدد الصيادين في الخليج من أكثر من 5 آلاف قبل 50 عامًا إلى بضع مئات حاليًا، بالتزامن مع تراجع المخزونات السمكية وانهيار بعض مصايد الرخويات.

وتزيد طبيعة توزيع مزارع الأسماك من الضغوط، إذ تتركز معظمها عند مدخل الخليج، حيث تجذب أضواؤها والأعلاف الغنية بالبروتين الأسماك البرية، فتعيق وصولها إلى مناطق الحضانة الطبيعية داخل البحيرات الساحلية.

كما تعتمد معظم المزارع على مسحوق السمك المصنوع من الأسماك البرية، ما يضيف ضغطًا آخر على الموارد البحرية بدلًا من تخفيف الاعتماد عليها.

وتكشف هذه الممارسات عن مفارقة في نموذج الإنتاج، الذي يهدف إلى زيادة المعروض من الأسماك، لكنه يعتمد جزئيًا على استنزاف مخزونات بحرية أخرى لتوفير الأعلاف.

اقرأ أيضًا: 64.5% من مخزونات الأسماك تُستغل باستدامة (تقرير)

انخفض عدد الصيادين في الخليج من أكثر من 5 آلاف قبل 50 عامًا إلى بضع مئات حاليًا
عدد الصيادين ينخفض من أكثر من 5 آلاف قبل 50 عامًا إلى بضع مئات حاليًا- الصورة من موقع سلمون

اقرأ أيضًا: اتفاقية دعم مصايد الأسماك لمنظمة التجارة الدولية تدخل حيز النفاذ بعد تصديق 4 دول

ضعف الرقابة يفاقم الأزمة

رغم تدهور البيئة البحرية، تسعى الحكومة اليونانية إلى توسيع المساحات المخصصة للاستزراع المائي، بينما يواجه السكان والناشطون صعوبات في التأثير في القرارات.

ويشير تقرير “إنسايد كليمت نيوز” إلى أن خطط التوسع التي أُقرت عام 2011 لم تخضع لنقاش عام كافٍ، وأن تداخل الاختصاصات بين البلديات والجهات الإدارية واللوائح الأوروبية أسهم في إضعاف الرقابة والمساءلة.

وفي المقابل، لجأت مجتمعات محلية إلى القضاء لمواجهة خطط التوسع، فيما قضى حكم صدر في أغسطس/آب 2025 ضد خطط شركة «أفرامار» لتوسيع مزارعها في جزيرة بوروس بنسبة 800%، بأن تقييمات الأثر البيئي التي مضى عليها 15 عامًا لم تعد توفر أساسًا قانونيًا يمكن الدفاع عنه لدعم التوسع.

وتلزم قواعد الاتحاد الأوروبي بتحسين جودة مياه الخليج من تصنيف «رديئة» إلى «جيدة» بحلول عام 2027، في وقت تمضي فيه الحكومة نحو زيادة الإنتاج.

وتعكس تجربة خليج أمفراكيكوس أن مساهمة الاستزراع المائي في الأمن الغذائي والصادرات لا تنفصل عن إدارة آثاره البيئية.

فالتوسع الإنتاجي الذي لا يراعي قدرة النظم البحرية على استيعاب المخلفات، ولا يضمن الرقابة على المزارع النشطة والمهجورة، قد يقوض الموارد التي تعتمد عليها الصناعة نفسها، إلى جانب تهديد التنوع البيولوجي ومصادر رزق المجتمعات الساحلية.

  •  مزيد من التفاصيل: