الكمأة البيضاء تواجه تراجع ملحوظ في الإنتاجإنتاج الكمأة البيضاء يواجه أزمة تغير المناخ - الصورة من إندبنديت

الكمأة البيضاء، التي تُعد كنز المطبخ الإيطالي لندرتها وارتفاع قيمتها، لم تعد بمنأى عن تداعيات تغير المناخ، فبعد سنوات من الحرارة المرتفعة والجفاف واضطراب معدلات سقوط الأمطار، تواجه مناطق إنتاجها في إيطاليا وكرواتيا تراجعًا ملحوظًا في المحاصيل.

ويأتي ذلك وسط مخاوف من اختفاء هذا الفطر الثمين من بعض المناطق التي اشتهرت بإنتاجه.

تشير تقديرات العاملين في القطاع إلى انخفاض إنتاج الكمأة البيضاء بنحو 30% خلال السنوات الـ25 الماضية، فيما أصبحت بعض الحبات أصغر حجمًا وأقل توافرًا.

لا يقتصر تأثير الأزمة في الكميات المعروضة في الأسواق، بل يمتد إلى المجتمعات المحلية التي تعتمد على جمع الكمأة والسياحة المرتبطة بها، ما دفع جمعيات وباحثين إلى إطلاق مبادرات لحماية الغابات واستعادة البيئات الطبيعية الملائمة لنموها، في محاولة للحفاظ على أحد أبرز المنتجات الغذائية الفاخرة في أوروبا.

 سعر 100 غرام من الكمأة البيضاء 450 يورو

في إقليم بيدمونت شمال غربي إيطاليا، يتراوح سعر 100 غرام من الكمأة البيضاء حاليًا بين 300 و450 يورو، ما يجعلها من أغلى المنتجات الغذائية في العالم.

ويبدأ الباحثون عن الكمأة، المعروفون محليًا باسم “تريفولاو”، موسمهم في الأول من أكتوبر/تشرين الأول، ويستمر نشاطهم حتى أواخر فبراير/شباط، مستعينين بكلاب مدربة على تمييز رائحتها والعثور عليها تحت الأرض، لكن الموسم الحالي جاء صعبًا، بعدما أثرت أشهر من الحرارة والجفاف في نمو الكمأة وجودتها.

وقال أنطونيو ديغاكومي، رئيس المركز الوطني الإيطالي لدراسات الكمأة، إن نقص الأمطار خلال يوليو/تموز وأغسطس/آب، وارتفاع درجات الحرارة انعكسا سلبًا على إنتاج أكتوبر/تشرين الأول، وأديا إلى تراجع المحصول وقصر مدة صلاحية الكمأة.

أضاف أن جفاف التربة وتماسكها وتحولها إلى قوام صلب، تسببا أيضًا في ظهور حبات أصغر حجمًا.

تظهر آثار التغيرات المناخية كذلك في كرواتيا، حيث يقدر الباحث عن الكمأة بيتار أليبيتش أن محصول العام الحالي يقل بنحو 30% عن مستوياته المعتادة، مشيرًا إلى أن السنوات السبع أو الثماني الماضية شهدت تراجعًا مستمرًا في الإنتاج، مع انخفاض حجم الكمأة وكمياتها.

قال أرمين ميسيتش، عالم الفطريات في معهد رودجر بوشكوفيتش، إن كرواتيا تضم نحو 12 نوعًا من الكمأة، ويمكن أن يصل سعر الكيلوغرام من النوع الأبيض إلى 4 آلاف يورو، مؤكدًا أن الجفاف ونقص الأمطار وارتفاع درجات الحرارة تؤثر في الكمية والجودة، فضلًا عن تقلص المناطق الجغرافية التي تنمو فيها.

سعر الكمأة البيضاء يصل سعرها إلى 450 يورو
الكمأة البيضاء من أعلى المنتجات الغذائية سعرًا في العالم – الصورة من موقع شوب اي يو

اقرأ أيضًا: ما قصة ليمون أمالفي في إيطاليا والمزارعين الطائرين؟

تغير أنماط الأمطار وتوسع زراعة العنب وصناعة النبيذ

لا يرتبط تراجع إنتاج الكمأة بارتفاع درجات الحرارة وحده، إذ يواجه هذا الفطر تحديات أخرى تتعلق بتغير طبيعة الغابات واستخدام الأراضي.

يوضح إدموندو بونيلي، أحد منسقي مبادرة “تنفس الكمأة”، أن الكمأة تتكون في حقيقتها من شبكة من الخيوط تمتد تحت الأرض، وتعيش في علاقة تكافلية مع جذور النباتات والأشجار، ولا تنتج ثمارها إلا عندما تتوافر الظروف البيئية المناسبة.

تحتاج الكمأة إلى مستويات مستقرة من الرطوبة خلال الصيف، لكن نمط سقوط الأمطار في إقليم بيدمونت تغير، وأصبحت الأمطار تتركز في مدد قصيرة وتتسم بالغزارة، بدلًا من توزيعها بصورة منتظمة على مدار العام.

أسهم التوسع في صناعة النبيذ في تقليص مساحات من الغابات التاريخية لإفساح المجال أمام زراعة كروم العنب، خاصة أن الإقليم ينتج أنواعًا شهيرة من النبيذ، من بينها بارولو ونيبيولو ودولشيتو.

ويشبه بونيلي العلاقة بين صناعة النبيذ والبحث عن الكمأة بعلاقة ملكين يعيشان في المملكة نفسها، لكن كلًا منهما يعمل بمعزل عن الآخر، مشيرًا إلى أن المطلوب هو تعزيز التعاون بين القطاعين بما يسمح بالحفاظ على الغابات والتنوع البيولوجي.

اقرأ أيضًا: مسؤول إيطالي: تطوير سلسلة قيمة الغذاء يبدأ من الفم (حوار)

مبادرات لحماية الذهب الأبيض

في مواجهة هذه التحديات، أطلق اتحاد جامعي الكمأة في إقليم بيدمونت والمركز الوطني لدراسات الكمأة، بالتعاون مع مجموعات أخرى، مبادرة “تنفس الكمأة”، بهدف جمع 50 ألف يورو لتمويل مشروع بيئي يستهدف حماية مناطق نمو الكمأة الحالية وإنشاء مناطق جديدة ملائمة لإنتاجها.

ويحظى المشروع بدعم المعرض الدولي للكمأة البيضاء في مدينة ألبا، الذي يستقطب نحو 100 ألف زائر سنويًا، ويُعد من أبرز الفعاليات الغذائية في إيطاليا.

وتسعى المبادرة إلى إشراك منتجي النبيذ وملاك الأراضي والبلديات في جهود الحفاظ على الغابات، وزراعة أشجار جديدة توفر بيئة مناسبة لنمو الكمأة، إلى جانب التوعية بأهمية التنوع البيولوجي.

يرى القائمون على المبادرة أن إعادة تشجير المناطق المتضررة يمكن أن تساعد على خفض درجات حرارة التربة، والحفاظ على رطوبتها والحد من التعرية، لكن الأشجار الجديدة قد تحتاج إلى أكثر من عشر سنوات حتى تصبح جذورها مناسبة لنمو الكمأة.

يدرس الباحثون تحسين إدارة الغابات، وتجربة الري خلال أوقات الجفاف الطويلة، إلى جانب بحث دور الكائنات الحية الدقيقة في التربة وتحديد أنواع الأشجار الأكثر قدرة على تحمل الحرارة والجفاف.

ورغم استمرار محاولات زراعة الكمأة البيضاء، لا يزال إنتاجها تجاريًا على نطاق واسع أمرًا صعبًا، على عكس الكمأة السوداء التي نجحت تجارب زراعتها.

محصول العام الحالي من الكمأ البيضاء يقل بنحو 30% عن مستوياته المعتادة
إنتاج الكمأة البيضاء تراجع بنحو 30% عن مستوياته المعتادة- الصورة من سي إن إن

اقرأ أيضًا: تدهور أكثر من 60% من التربة الزراعية الأوروبية بسبب الزراعة المكثفة

مستقبل الإنتاج مرهون بحماية الغابات

يرفض خبراء إيطاليون اعتبار الكمأة البيضاء نوعًا مهددًا بالانقراض، لكنهم يرون أن استمرار إنتاجها يتطلب التكيف مع التغيرات المناخية وحماية البيئات الطبيعية التي تعتمد عليها.

قال ديجاكومي إن التحدي لا يتعلق باختفاء الكمأة، بل بضرورة إيجاد حلول تساعد على استمرار نموها في ظل الظروف الجديدة.

تتزايد أهمية هذه الجهود مع استمرار الطلب على الكمأة البيضاء، إذ ارتفعت أسعارها في سوق ألبا بنحو 20% إلى 30% مقارنة بالعام الماضي، رغم تراجع المعروض، وفقًا لأكسل إبيرتي، رئيس المعرض الدولي للكمأة البيضاء.

  • مزيد من التفاصيل: