عبدالرحمن أبوالوفا
تتفاقم أزمة هدر الطعام في الفنادق جراء ما يعرف بخدمة البوفيه المفتوح (أوبن بوفيه)، حيث تنتشر هذه الخدمة، ففي حين تحقق الفنادق إيرادات كبيرة من أسعار الغرف، إذ تفرض غالبًا رسومًا تفوق بكثير التكاليف التشغيلية لخدمات مثل التدبير المنزلي والمسابح وخدمة الغرف، لكن تظل قاعات الوجبات مصدرًا رئيسًا لعدم الكفاءة.
يسمح الهيكل المالي لصناعة الضيافة بهذا الفائض، و ونظرًا لارتفاع هوامش الربح على ليالي الإقامة، غالبًا ما تختار الفنادق “الطريق الأسهل” في تقديم الطعام: وهو البوفيه المفتوح.
ويقلل هذا النموذج من الحاجة إلى طاقم خدمة لأخذ الطلبات الفردية، ويسمح للمطابخ بإعداد الوجبات بكميات كبيرة، لكنه يخلق أزمة في هدر الطعام في الفنادق بكميات هائلة، وفق تقارير اطلعت عليها غذاء ومناخ.
سيكولوجية البوفيه المفتوح وهدر الطعام في الفنادق
تنبع المشكلة الجوهرية من الانفصال بين الشهية والوفرة المتاحة، ففي نظام القائمة التقليدية، يطلب الضيوف كمية محددة من الطعام المُعد خصيصًا لهم، لكن في البوفيه المفتوح يُقدم للضيوف وليمة من الوجبات المتنوعة، يتمتعون بحرية تناول القدر الذي يرغبون فيه من الطعام.
ويثير هذا الهيكل استجابة نفسية متجذرة في الفضول البشري، فالضيوف، وخاصة المسافرين، يتوقون لتجربة مجموعة متنوعة من الأطباق.

ووفقاً لبحث نشرته شركة “جي إل إل” فإن ما يقارب من 20% من رواد المطاعم في الفنادق هم سياح يزورون المنطقة، التي تضم الفندق، خصيصًا لتذوق المأكولات المحلية.
يُعد الدافع لسياحة الطهي قوة اقتصادية هائلة، ويسلط تقرير “جي إل إل” الضوء على أن ما يصل إلى 60% من المسافرين الأثرياء يختارون فندقًا معينًا بناءً على وجود مطعم عالي الجودة أو تجربة طعام شهيرة.
وسواء كان السياح يبحثون عن “الكشري” في مصر، أو “البيلميني” في روسيا، أو السوشي الأصلي في اليابان، فإن الطعام يمثل نقطة جذب مركزية.
ويعزز استطلاع أجراه محمد س. غانم، الباحث في قسم الدراسات الفندقية بالمعهد العالي للسياحة والفنادق وعلوم الحاسب في مصر، هذا الأمر، حيث يشير إلى أن 34% من المسافرين يذكرون أن “تجربة أمور أصيلة” هي دافعهم الأساسي لتناول الطعام في الخارج، ومع ذلك، غالبًا ما تؤدي هذه الرغبة في تذوق كل شيء إلى تكديس الأطباق بأكثر مما يحتاج الشخص من طعام.
حجم الهدر
يمكن قياس عواقب السلوك الذي يؤدي إلى هدر الطعام في الفنادق، حيث تشير دراسة أجراها إنجين أونجورين وزملاؤه في مركز معلومات البيوتكنولوجي التابع للحكومة الأميركية، إلى أن ما بين 17% و27% من الناس عالميًا يتركون وجباتهم غير مكتملة جزئيًا، ويُعزى ذلك إلى حد كبير إلى تأثير “البوفيه المفتوح”، حيث يبالغ رواد المطعم في تقدير حجم جوعهم.
وبمجرد نقل الطعام إلى طبق الضيف، يصبح مصيره سلة المهملات، إذ تحظر لوائح سلامة الغذاء الصارمة في كل بلد تقريبًا على الفنادق تقديم طعام جرى لمسه أو تناوله جزئيًا من قبل عميل آخر، وحتى إذا بدا الطعام غير ملموس، فإن مخاوف المسؤولية القانونية والقوانين الصحية تفرض التخلص منه.
وعلى سبيل المثال، تقدم جزر المالديف مثالًا صارخًا على هذه الظاهرة، فوفق بيانات من “نومان” وهي مؤسسة بحثية متخصصة في قياس هدر الغذاء العالمي، تسجل الدولة الجزرية أعلى معدل لهدر الطعام للفرد عالميًا، حيث يصل إلى نحو 207 كيلوغرامات سنويًا.
ولتوضيح هذا الرقم، تشير حسابات غذاء ومناخ، إلى أن 207 كيلوغرام من الطعام المهدر تكفي لإطعام ثلاثة إلى أربعة بالغين لمدة شهر كامل. وهذا الحجم من مخلفات الغذاء يأتي بصورة أساسية من هدر الطعام في الفنادق والمنشآت السياحية عامة.

الفروقات التشغيلية والحلول
التباين بين بوفيهات الفنادق والمطاعم القياسية كبير، فتقلل المطاعم التقليدية الهدر من خلال حساب حصص دقيقة مناسبة للوجبات الفردية أو المزدوجة أو العائلية. وتساعد هذه المؤشرات في التحكم في المخزون وتقليل احتمالية بقاء مخلفات الطعام.
وتتطلب معالجة أزمة هدر الطعام في الفنادق نهجًا متعدد الأوجه، ويتضمن أحد الحلول الممكنة؛ تحويل المخلفات العضوية من مدافن النفايات إلى الزراعة.
ويمكن أن يؤدي تحويل بقايا الطعام إلى علف حيواني إلى تقليل التكاليف التشغيلية للمزارعين بشكل كبير مع توفير مصدر غذائي متنوع للماشية.
وهناك مسار آخر يتمثل في إعادة توجيه الطعام الآمن غير الملموس، فبينما لا يمكن حفظ مخلفات الأطباق، يمكن إنقاذ الطعام غير المُقدم من خط البوفيه. ويمكن أن يتيح إنشاء شراكات مع الجمعيات الخيرية المحلية للفنادق تقديم وجبات لملاجئ المشردين، ما يوفر قيمة اجتماعية هائلة.
وفي حين أن تنفيذ هذه الحلول يتطلب جهدًا لوجستيًا واستثمارًا، إلا أنها تمثل خطوة ضرورية نحو كبح ملايين الأطنان من الطعام المهدر سنويًا في قطاع الضيافة.

