مواجهة تغير المناخ تتطلب خططًا لحماية سلاسل الإمداد الغذائيوصول الغذاء لكل المستهلكين يحتاج منظومة متكاملة – الصورة من موقع كوارتز

مواجهة تداعيات تغير المناخ على الأمن الغذائي لم تعد تقتصر على حماية المحاصيل الزراعية من الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، بل أصبحت تتطلب خططًا متكاملة تشمل مختلف مراحل إنتاج الغذاء وتصنيعه وتخزينه ونقله وتوزيعه، وصولًا إلى ضمان قدرة المستهلكين على الحصول عليه بأسعار مناسبة.

فاضطراب الإمدادات المائية أو تعطل وسائل النقل أو ارتفاع تكاليف الطاقة قد يمتد تأثيره إلى مصانع الأغذية وشركات التوزيع، حتى إذا لم تتعرض المحاصيل نفسها لخسائر مباشرة، وتكشف هذه التحديات عن أهمية التعامل مع النظام الغذائي بوصفه شبكة مترابطة، تتأثر جميع حلقاتها بالمخاطر المناخية والاقتصادية.

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تطوير أدوات للتنبؤ بالمخاطر واختبار قدرة سلاسل الإمداد على التعامل معها، وتنويع مصادر التوريد، وتحسين كفاءة استخدام المياه والطاقة، بما يضمن استمرارية تدفق الغذاء وتقليل الفاقد وحماية قدرة المجتمعات على الوصول إليه في ظل التغيرات المناخية.

تغير المناخ يتطلب استعدادًا مبكرًا

أشار تقرير مركز البحوث المشتركة الأوروبي بشأن الجفاف، الصادر في يوليو/تموز 2026، إلى تدهور الأوضاع في وسط وشرق أوروبا، مع تفاقم حالات التأهب في غرب القارة، واتساع نطاق التحذيرات في فرنسا، نتيجة انخفاض الأمطار وارتفاع درجات الحرارة وموجات الحر، ما أدى إلى تراجع رطوبة التربة وتدفقات الأنهار.

توقع التقرير تأثر إنتاجية المحاصيل، دون تقديم حصيلة نهائية للمحصول، وهو ما يبرز أهمية استخدام التحذيرات المناخية لمراجعة مخاطر الإمدادات وتحديد البدائل المتاحة قبل حدوث الاضطرابات.

تحتاج شركات تصنيع الأغذية إلى تحديد المكونات التي تحصل عليها من المناطق المتضررة، ومواعيد وصولها، ومصادر المياه والكهرباء التي تعتمد عليها، خاصة أن تعدد الموردين لا يعني بالضرورة تنوع مصادر المخاطر، فقد يعتمدون على حوض مائي أو ممر نقل واحد.

اقرأ أيضًا: انعدام الأمن الغذائي يتفاقم.. تحذير من أكثر من 150 من الفائزين بجوائز نوبل والغذاء العالمية

الاتحاد الأوروبي أصدر توصيات للتأهب والاستجابة لأزمات الأمن الغذائي
الاتحاد الأوروبي أصدر توصيات للتأهب والاستجابة لأزمات الأمن الغذائي- الصورة من سي إيه إل إس نيوز

كفاءة المياه والتبريد ضمن خطط التكيف

تعد كفاءة استخدام المياه أحد العناصر الرئيسية لتعزيز قدرة النظام الغذائي على مواجهة تغير المناخ، لكن منظمة الأغذية والزراعة “الفاو” تميز بين خفض المياه المسحوبة من المصادر المائية وتحقيق وفورات فعلية في استهلاكها.

فالمياه التي تغادر أحد الحقول قد تظل متاحة للاستخدام في مناطق أخرى، وبالتالي فإن تحسين كفاءة الري لا يعني بالضرورة تقليل الضغوط على الموارد المائية المشتركة.

وفي السياق نفسه، حذر تقرير مشترك لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة و”الفاو” صدر عام 2022 من الأثر البيئي لسلاسل التبريد، مشيرًا إلى أن تقنيات التبريد، إلى جانب فاقد الغذاء الناتج عن عدم كفايتها، أسهمت بنحو 4% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية.

ولذلك، ينبغي تقييم استثمارات التخزين والتبريد، وفقًا لقدرتها على تقليل الفاقد، واحتياجاتها من الطاقة، ومدى استعدادها للتعامل مع ارتفاع درجات الحرارة وانقطاع الكهرباء.

تنويع الموردين لا يتوقف عند زيادة عددهم بل يتطلب التأكد من اختلاف مصادر المياه وطرق النقل ومدخلات الإنتاج

تنويع الموردين لا يتوقف عند زيادة عددهم بل يتطلب التأكد من اختلاف مصادر المياه وطرق النقل ومدخلات الإنتاج – الصورة من موقع دينسو

اقرأ أيضًا: تغير المناخ يهدد صحة النساء السود في أميركا أكثر من غيرهن

تنويع الإمدادات واختبار المخاطر

تؤكد توصيات آلية الاتحاد الأوروبي للتأهب والاستجابة لأزمات الأمن الغذائي الصادرة في يوليو/تموز 2023 أهمية تنويع مصادر الإنتاج والإمداد، والاستفادة من سلاسل التوريد القصيرة والطويلة، إلى جانب التجارة الدولية.

لكن تنويع الموردين لا يتوقف عند زيادة عددهم، بل يتطلب التأكد من اختلاف مصادر المياه وطرق النقل ومدخلات الإنتاج، فضلًا عن اختبار صلاحية المكونات البديلة للاستخدام في عمليات التصنيع.

في عام 2026، نشر مركز البحوث المشتركة الأوروبي إطارًا تشغيليًا لاختبارات الضغط على الأمن الغذائي، بهدف تحديد مواطن الضعف الناتجة عن تفاعل المخاطر المناخية والجيوسياسية والاقتصادية.

اقرأ أيضًا: ارتفاع الحرارة يؤدي إلى عدم استقرار 3 محاصيل أساسية (دراسة)

يمكن أن تشمل هذه الاختبارات سيناريوهات تجمع بين تراجع إنتاج المحاصيل في إحدى المناطق وتعطل النقل أو ارتفاع تكاليف الطاقة، لقياس تأثيرها في قدرات التصنيع ومواعيد التسليم وتوافر الغذاء للمستهلكين.

تتطلب مواجهة هذه المخاطر تحديد المسؤوليات والإجراءات البديلة مسبقًا، مع تقييم قدرة مختلف الفئات والمناطق على الوصول إلى الغذاء وتكاليف الحصول عليه، بدلًا من الاكتفاء بقياس إجمالي الكميات المتاحة.

بذلك، تصبح مرونة النظام الغذائي مرتبطة بقدرة جميع حلقاته على الاستمرار في مواجهة الاضطرابات، من الإنتاج الزراعي وحتى وصول الغذاء إلى المستهلك النهائي.

  • مزيد من التفاصيل: