تغير المناخ يضعف وجبات الأميركيين السودسيدتان في مطبخ أميركي - الصورة من سوشيال كيتشن

يهدد تغير المناخ صحة النساء السود في أميركا أكثر من غيرهن؛ بسبب الوجبات التي يتناولهن، ففي حين أن ظواهر المناخ المتطرفة تؤثر سلبًا في القيمة الغذائية للمحاصيل الزراعية الأساسية للجميع، تتعرض تلك النسوة إلى عنصرية بيئية في وجباتهن لأسباب عديدة، حيث يصبح التأثير غير متكافئ فبين فئات السكان المختلفة.

كشفت دراسات حديثة أن ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي لا يؤثر فقط في المناخ، بل يمتد ليغيّر تركيب الغذاء نفسه، فمحاصيل أساسية يعتمد عليها النظام الغذائي اليومي مثل: الأرز والقمح والبطاطس والفاصوليا، باتت تحتوي على نسب أقل من عناصر غذائية حيوية مثل الحديد والزنك والبروتين، مقارنة بما كانت عليه قبل عقود قليلة.

ويؤدي هذا التغير إلى ظاهرة توصف بـ”الجوع الخفي”، حيث يحصل الأفراد على كميات كافية من الطعام من ناحية السعرات الحرارية، لكنهم يفتقرون إلى العناصر الدقيقة اللازمة لصحة الجسم ونموه.

وتشير البيانات إلى أن هذا الخلل الغذائي قد يرفع مخاطر الإصابة بفقر الدم، ومشكلات النمو لدى الأطفال، ومضاعفات الحمل لدى النساء، وفق تقرير اطلعت عليه (غذاء ومناخ).

تغير المناخ يهاجم الأميركيين السود

تُظهر الإحصاءات أن الأميركيين السود يتحملون عبئًا صحيًا أكبر نتيجة التدهور الغذائي الناجم عن تغير المناخ، فالنساء السود في سن الإنجاب أكثر عرضة لنقص الحديد مقارنة بغيرهن، كما يعاني البالغون السود من معدلات فقر دم قد تصل إلى 3 أضعاف المعدلات المسجلة لدى المجموعات الأخرى، ويُسجَّل لدى الأطفال السود ارتفاع في معدلات نقص الزنك، وهو عنصر أساسي في دعم المناعة والنمو.

لا تقف أسباب هذه الفجوة عند تغير المناخ فقط، بل تتداخل مع عوامل تاريخية واجتماعية واقتصادية، مثل محدودية الوصول إلى الغذاء الصحي، وعدم المساواة في السياسات الزراعية، إضافة إلى آثار التمييز الهيكلي الممتد عبر عقود.

أقرا أيضًا: زراعة الأرز تتجه إلى تحقيق مكاسب في سوق الكربون بقرار كورسيا

توضح الأبحاث أن ارتفاع ثاني أكسيد الكربون يدفع النباتات إلى زيادة النمو وتخزين المزيد من الكربوهيدرات، لكنه في المقابل يؤدي إلى “تخفيف” تركيز العناصر الغذائية داخل المحاصيل.

وتشير نتائج تحليل بيانات لعدد من المحاصيل إلى انخفاض متوسط في المغذيات بنسبة تصل إلى 4.4%، مع تسجيل تراجعات أكبر في بعض العناصر قد تصل إلى 38% خلال جيل واحد فقط.

وهذا يعني أن الطعام الذي يبدو طبيعيًا في شكله وكميته قد أصبح أقل قيمة غذائية، ما يفاقم المخاطر الصحية حتى في حال توفر الغذاء بكميات كافية.

أقرا أيضًا: كيف يجرّد ثاني أكسيد الكربون محاصيلنا من الفيتامينات والمعادن؟

القيمة الغذائية تتراجع لأطعمة المجتمعات السود
القيمة الغذائية تتراجع لأطعمة المجتمعات السود الصورة من موقع “سبريج أوف تشينج”

حلول محلية لمواجهة الأزمة في مجتمعات الأمريكيون السود

تزداد الصورة تعقيدًا مع وجود عوامل بيئية أخرى إضافة إلى تغير المناخ، مثل تلوث التربة بالمعادن الثقيلة كالرصاص في بعض المناطق الزراعية القريبة من المصانع أو مكبات النفايات، ويؤثر ذلك بشكل مباشر في جودة المحاصيل، خصوصًا في المناطق التي يعمل فيها مزارعون من المجتمعات السوداء، سواء في الريف أو المدن.

في المقابل، يبرز اتجاه متنامٍ نحو الزراعة الحضرية والمجتمعية كأحد الحلول الممكنة، حيث يؤكد مزارعون وناشطون أن إنتاج الغذاء محليًا قد يسهم في رفع قيمته الغذائية، نظرًا لقربه من وقت الحصاد ومعرفة أفضل بظروف التربة والبيئة.

كما تدعو بعض المبادرات إلى استعادة الممارسات الزراعية التقليدية التي اعتمدت عليها المجتمعات السوداء تاريخيًا، وبناء أنظمة غذائية محلية مستقلة تقلل الاعتماد على سلاسل الإمداد الصناعية.

أقرا أيضًا: الجفاف في أميركا يضغط على مزارعي القمح ومربي الماشية

 

القيمة الغذائية في أطعمة مجتمعات الأمريكيون السود
القيمة الغذائية في أطعمة مجتمعات الأمريكيون السود- الصورة من موقع بلاك براستيف

الأمن الغذائي لم يعد كمية فقط

يحذر خبراء البيئة والغذاء من أن مفهوم الأمن الغذائي يجب أن يتجاوز مسألة توفر الطعام فقط، ليشمل أيضًا جودة هذا الطعام وقيمته الغذائية، فمع استمرار ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون، يُتوقع أن تتفاقم مشكلة نقص المغذيات الدقيقة، ما يضع فئات أكثر عرضة للخطر، وعلى رأسها الأميركيون السود، أمام تحديات صحية متزايدة.

وبين التحذيرات العلمية والمبادرات المجتمعية، تتضح حقيقة أساسية: أزمة تغير المناخ لم تعد قضية بيئية فحسب، بل أصبحت قضية غذاء وصحة وعدالة اجتماعية تمس ما يصل إلى موائد الطعام يوميًا.

لمزيد من التفاصيل: