تتجه مبادرات مثل الزراعة المحلية في بورتوريكو الواقعة في شمال شرق البحر الكاريبي، إلى دعم الإنتاج في الداخل والحد من الاستيراد، بعد أن كشف إعصار ماريا عن مدى هشاشة النظام الغذائي في مواجهة الأزمة المناخية.
ويحدث ذلك من خلال نماذج إنتاج وتوزيع تعتمد على المحاصيل المحلية وتحد من الاعتماد على الأغذية المستوردة والمصنعة.
تكتسب هذه التجارب أهمية خاصة في جزيرة تستورد أكثر من 80% من احتياجاتها الغذائية، ما يجعلها شديدة التأثر بالصدمات الخارجية، كما كشفت تداعيات إعصار ماريا عام 2017 عن هشاشة نظامها الغذائي، بعدما دمر 80% من القيمة الإنتاجية للمحاصيل الزراعية وأدى إلى اضطرابات واسعة في توافر الغذاء.
وفي مواجهة هذه التحديات، ظهرت أسواق وتعاونيات ومبادرات مجتمعية تسعى إلى توفير المنتجات الطازجة بأسعار عادلة، ودعم صغار المزارعين، وتقليص المسافة بين الإنتاج والاستهلاك، بما يعزز قدرة المجتمعات المحلية على توفير احتياجاتها الغذائية والاعتماد على مواردها الزراعية.
الزراعة المحلية في بورتوريكو تربط المزارعين بالمستهلكين
تمثل سوق “سوبر سوليداريو” في مدينة كاغواس أحد النماذج التي تعكس هذا التوجه من خلال الزراعة المحلية في بورتوريكو، إذ انطلقت في أواخر عام 2020، وتقام مرة واحدة شهريًا، وتضم منتجات أكثر من 15 مزرعة محلية صغيرة بأسعار عادلة، إلى جانب رف تضامني يتيح للزوار الحصول على منتجات غذائية مجانًا.
تعتمد السوق، التي تضم 41 عضوًا، على نموذج تعاوني يتبادل فيه الأعضاء العمل مقابل الحصول على المنتجات بسعر التكلفة.
كما يتولى فريق متخصص معالجة المحاصيل المتبقية بعد انتهاء أيام البيع، من خلال تحويلها إلى منتجات غذائية مثل صلصة “سوفريتو” أو تجميدها لإعداد العصائر الطازجة لاحقًا.
خلال العام الماضي، استقبلت السوق أكثر من 2000 زائر، واشترت 40 نوعًا من المحاصيل مباشرة من 22 مزارعًا، ما أتاح للمنتجين الوصول إلى المستهلكين دون وسطاء أو تحمل خسائر المنتجات غير المباعة.
تقول ماريزيل روبلز، العضوة في فريق السوق منذ تأسيسها، إن الهدف يتمثل في توفير أغذية جيدة الجودة بأسعار معقولة، مؤكدة أن إقامة شبكة مباشرة بين المنتجين والمستهلكين تمثل أحد أهم الحلول لمواجهة الجوع.
اقرأ أيضًا: الزراعة التجديدية.. شركات الأغذية تتعهد بالدعم رغم عدم الوضوح

إرث الاستيراد وتراجع الإنتاج المحلي
يرتبط اعتماد بورتوريكو على الأغذية المستوردة بتحولات اقتصادية واستهلاكية ممتدة منذ منتصف القرن الماضي، عندما أطلقت الجزيرة بالتعاون مع الحكومة الأميركية برنامج “عملية التمهيد لتحويل الاقتصاد من النشاط الزراعي إلى التصنيع، عبر الحوافز الضريبية للشركات وإصلاحات اقتصادية أخرى.
أدى تراجع فرص العمل في المناطق الريفية إلى انتقال السكان إلى المدن، وانخفاض الأراضي المخصصة للزراعة تدريجيًا. كما أسهم تطبيق برامج المساعدات الغذائية في سبعينيات القرن الماضي في زيادة الاعتماد على الواردات والأغذية المصنعة، على حساب الزراعة المحلية في بورتوريكو.
تقول كاتيا أفيليس فاسكيز، مديرة معهد أبحاث ومبادرات الزراعة الإيكولوجية في بورتوريكو، إن السياسات الأميركية شجعت على تحويل منطقة الكاريبي إلى امتداد استهلاكي للولايات المتحدة، مشيرة إلى أن ذلك انعكس على العادات الغذائية للسكان وتفضيلاتهم.
تتفاقم هذه التحديات مع الأوضاع الاقتصادية، إذ يعيش أكثر من 40% من سكان بورتوريكو تحت خط الفقر، وتحصل النسبة نفسها على مساعدات برنامج التغذية المعروف اختصارًا باسم PAN. كما أدى تراجع دور الأسواق الشعبية التقليدية إلى اتجاه المستهلكين نحو متاجر التجزئة الكبرى بحثًا عن الأسعار الأقل.
أظهر مسح أُجري عام 2025 أن 20% فقط من المشاركين في برامج الوجبات المجتمعية يشترون احتياجاتهم من أكشاك الفواكه والخضراوات، مقابل 93% من متاجر السوبر ماركت.
اقرأ أيضًا: الأمم المتحدة تحذر من تدهور الغابات المتزايد عالميًا

اقرأ أيضًا: مراكز البيانات عدو جديد للأراضي الزراعية
إعصار ماريا يعيد الاهتمام بالزراعة المجتمعية
كشف إعصار ماريا عام 2017 مدى هشاشة النظام الغذائي في الجزيرة، بعدما دمر 80% من القيمة الإنتاجية للمحاصيل، وأدى إلى إغلاق متاجر غذائية ونقص المنتجات، فضلًا عن تعطل الشحن وتلف الأغذية نتيجة انقطاعات الكهرباء المطولة.
في أعقاب الإعصار، برزت مبادرات المساعدة المتبادلة بين السكان لتوفير الغذاء وإعادة بناء المجتمعات.
وكان عمر جارسيا، الذي تنحدر عائلته من أجيال عملت بالزراعة، من بين الذين اتجهوا إلى استئناف الإنتاج الزراعي بعد العاصفة، وبدأ توفير الأغذية الطازجة للمجتمع خلال أسابيع.
في عام 2021، أطلق جارسيا مزرعة “فينكا أورورا” لإنتاج الفواكه والخضراوات وحفظ البذور، قبل أن يشارك في تأسيس السوق البديلة “تيينديتا سوبرانا” عام 2022، التي بدأت نشاطها رسميًا في يناير، بمدينة سان لورينزو.
يضم التجمع ثمانية أعضاء مؤسسين يعملون مع شبكة من الموردين، ويوفر موقعًا ثابتًا لبيع المنتجات أسبوعيًا دون وسطاء، وقد تعامل منذ افتتاحه مع 16 مزرعة أو مزارعًا و17 منتجًا محليًا، من بينهم صناع المخبوزات الحرفية.
رغم نجاح هذه المبادرات في توسيع قنوات تسويق المنتجات المحلية، تظل القدرة على منافسة أسعار المتاجر الكبرى أحد أبرز التحديات، إذ يضطر المزارعون إلى رفع أسعار بعض المحاصيل لتغطية تكاليف الإنتاج.
تعكس هذه التجارب توجهًا نحو تعزيز الروابط بين المجتمعات المحلية ومصادر غذائها، من خلال دعم الإنتاج الزراعي وتقليل الاعتماد على سلاسل الإمداد الخارجية، في جزيرة أظهرت الكوارث المناخية مدى تأثر أمنها الغذائي بالاعتماد الكبير على الواردات.
- مزيد من التفاصيل:
- سيفيل إيتس

