هل ترتبط أزمة الأمن الغذائي في بنغلاديش بالأرز؟سيدة بنغلاديشية تفرغ عبوة أرز - الصورة من آي إف بي آر آي

أزمة الأمن الغذائي في بنغلاديش تتزايد، رغم تحسن نسبي مطلع عام 2025، إذ لا يزال أكثر من 15 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول الأسباب الحقيقية للأزمة، وما إذا كان النمو السكاني المتسارع وحده المسؤول عنها، وماهو دور إنتاج الأرز فيها؟

تواجه بنغلاديش، مثل العديد من الدول النامية، تحديًا يتفاقم بصورة متواصلة، يتمثل في ضمان توفير غذاء آمن وكافٍ لسكانها، الذين يُتوقع أن يصل عددهم إلى نحو 215.4 مليون نسمة بحلول عام 2050، وفقًا لتقديرات معهد أبحاث الأرز في الدولة الآسيوية.

وأدى النمو السكاني خلال العقود الثلاثة الماضية إلى ارتفاع الطلب على الغذاء بشكل كبير، إذ تشير التقديرات إلى أن بنغلاديش ستحتاج إلى إنتاج نحو 44.6 مليون طن من الأرز سنويًا بحلول عام 2050.

رغم تحقيق بنغلاديش الاكتفاء الذاتي إلى حد كبير من الأرز، فإنها لا تزال تعتمد بصورة كبيرة على استيراد العديد من السلع الغذائية الأساسية، وفي مقدمتها القمح والبقوليات والزيوت النباتية، ما يزيد من الضغوط على احتياطياتها من النقد الأجنبي، وفق تقرير طالعته “غذاء ومناخ”.

تراجع مساحات الأراضي الزراعية يهدد الأمن الغذائي في بنغلاديش

تُظهر بيانات مكتب الإحصاء البنغلاديشي أن مساحة الأراضي الصالحة للزراعة انخفضت من 2.008 مليون فدان إلى 1.983 مليون فدان بين عامي 2020 و2023، أي بانخفاض قدره 1% خلال 3 سنوات فقط، وهو أكبر انخفاض خلال عقد من الزمان.

ورغم أن الإنتاجية الزراعية شهدت تحسنًا ملحوظًا خلال العقود الماضية؛ بفضل استخدام البذور عالية الإنتاجية، والتوسع في نظم الري والميكنة الزراعية، فإن هذا التحسن بدأ يفقد زخمه.

ويُعزى ذلك إلى الاستخدام المكثف وغير المنظم للأسمدة والمبيدات الكيميائية، والذي أدى إلى تدهور الخصوبة الطبيعية للتربة وزيادة مقاومة الآفات الزراعية.

وتواجه المياه الجوفية ضغوطًا متزايدة نتيجة الإفراط في استخراجها، بينما يشهد محتوى التربة من المواد العضوية والكائنات الدقيقة النافعة تراجعًا مستمرًا، ما ينذر بمخاطر طويلة الأمد على استدامة الإنتاج الزراعي.

أقرا أيضًا: تفاقم انعدام الأمن الغذائي في أفغانستان بسبب الفيضانات والهجرة

بائع خضروات في بنغلاديش
بائع خضروات في بنغلاديش- الصورة من موقع برغون ماغزين

تغير المناخ يفاقم الأزمة

تغير المناخ، هو أحد أبرز التحديات التي تسبب أزمة الأمن الغذائي في بنغلاديش، فارتفاع مستوى سطح البحر يزيد من ملوحة الأراضي الزراعية في المناطق الجنوبية، في حين تعاني المناطق الشمالية من موجات جفاف طويلة الأمد وفيضانات مفاجئة وموجات حر شديدة تؤثر سلبًا في مواسم الحصاد.

تشير تقديرات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ إلى أن إنتاج الأرز والقمح في بنغلاديش قد ينخفض بحلول عام 2050 بنحو 8% و23% على التوالي، مقارنة بمستويات عام 1990، نتيجة تغير أنماط هطول الأمطار، وارتفاع درجات الحرارة، والفيضانات، والجفاف، وزيادة ملوحة التربة.

تحديات تواجه المزارعين

لا تقتصر الأزمة على الموارد الطبيعية، بل تمتد إلى الأوضاع الاقتصادية للمزارعين، فارتفاع أسعار الأسمدة والبذور والوقود، إضافة إلى انخفاض عائد المحاصيل؛ يدفع العديد منهم إلى تكبد الخسائر، وهو ما أدى إلى عزوف أعداد متزايدة من الشباب عن العمل بالقطاع الزراعي.

تشكل محدودية الحيازات الزراعية تحديًا إضافيًا، إذ إن غالبية الأسر العاملة في الزراعة تمتلك مساحات صغيرة من الأراضي، ما يجعلها الأكثر تأثرًا بتراجع الرقعة الزراعية وارتفاع تكاليف الإنتاج.

أقرا أيضَا: الكوميسا: الأمن الغذائي في أفريقيا مُهدد بالزراعة التقليدية والمناخ (حوار)

فقد 3.5 مليون طن من الغذاء سنويًا

يمثل الهدر واحدًا من عوامل أزمة الأمن الغذائي في بنغلاديش، إذ تشير البيانات الرسمية إلى فقد نحو 3.5 مليون طن من الغذاء سنويًا؛ نتيجة لضعف سلاسل الإمداد ونقص مرافق التخزين المبرد وسوء إدارة الأسواق. كما تُهدر كميات كبيرة من الأغذية الجاهزة في المطاعم والمناسبات الاجتماعية، وهو ما يزيد من تعقيد أزمة الأمن الغذائي في بنغلاديش.

يؤكد الخبراء أن الحد من هدر الغذاء يمثل أحد الحلول الأقل تكلفة، والأكثر فاعلية لتعزيز الأمن الغذائي، خاصة في ظل الضغوط المتزايدة على الإنتاج الزراعي.

ورغم تحسن توافر السعرات الحرارية مقارنة بالعقود الماضية، فإن الفجوة التغذوية لا تزال قائمة، إذ أن متوسط توافر الفاكهة والخضروات للفرد في بنغلاديش لا يزال أقل بكثير من المعدلات التي يوصي بها خبراء التغذية، فيما يعتمد النظام الغذائي بصورة أساسية على الأرز.

بنجلاديش تفقد نحو 3.5 مليون طن من الغذاء سنويًا نتيجة ضعف سلاسل الإمداد
بنغلاديش تهدر كميات كبيرة من الغذاء سنويًا  – الصورة من موقع ذا وورلد إيكونومي

ويرى خبراء التغذية أن تنويع الأنماط الغذائية والتوسع في استهلاك الحبوب البديلة والبروتينات النباتية؛ يمكن أن يسهم في تحسين الصحة العامة وتقليل الضغوط البيئية المرتبطة بإنتاج الغذاء.

أقرا ايضًا: مكافحة تغير المناخ تهدد الأمن الغذائي العالمي (دراسة صادمة)

أزمة الأمن الغذائي تتجاوز النمو السكاني

تكشف المؤشرات الحالية أن أزمة الأمن الغذائي في بنغلاديش تتجاوز مسألة النمو السكاني وحدها، إذ تتداخل فيها عوامل عدة، من بينها فقدان الأراضي الزراعية وتغير المناخ وتدهور خصوبة التربة وضعف سلاسل الإمداد وهدر الغذاء والتفاوت الاقتصادي.

  • مزيد من التفاصيل: