الأمن الغذائي في أفريقيا يعانيالدكتور محمد قدح، الأمين العام المساعد لشؤون الـبـرامـج في الكوميسا - الصورة خاصة بـ (غذاء ومناخ)

تمثل الزراعة التقليدية واحدة من المشكلات التي تسبب أزمات الأمن الغذائي في قارة أفريقيا، لأنها تقتصر على إنتاج ما يكفي لاستهلاك المزارع فقط، أو المجتمع الصغير المحيط به، كما أن تغير المناخ سبب إضافي للأزمة ضمن عوامل عديدة، بحسب الدكتور محمد قداح، الأمين العام المساعد لشؤون الـبـرامـج في الكوميسا (اتفاقية السوق المشتركة لدول الشرق والجنوب الأفريقي).

ويرى قداح أن القارة الأفريقية تمتلك موارد زراعية هائلة؛ تؤهلها لتحقيق طفرة في إنتاج الغذاء، لكنها لا تزال تواجه عقبات تتعلق بالتمويل والبنية التحتية وغياب نظام العمل وفق منهج سلاسل القيمة.

وأوضح في حوار مع (غذاء ومناخ)، على هامش قمة فود جارد، التي عُقدت في القاهرة في الثلاثاء 2 يونيو/حزيران 2026، أن الكوميسا لديها عدد كبير من المشروعات في مجالات بناء سلاسل القيمة للمنتجات الزراعية والغذائية، بالتعاون مع منظمات دولية مثل: الأمم المتحدة للتنمية الصناعية “يونيدو” ومركز التجارة الدولية، إلى جانب مشروعات مدعومة من الاتحاد الأوروبي، وفيما يلي نص الحوار:

كيف تعمل الكوميسا على مواجهة أزمة الأمن الغذائي في أفريقيا؟

ملف الزراعة والأمن الغذائي في القارة في مقدمة أولوياتنا، خاصة أنه يرتبط بشكل مباشر بمشكلة الفاقد وهدر الغذاء، ولا يمكن الحديث عن تحقيق الأمن الغذائي في أفريقيا في ظل استمرار أنماط الزراعة التقليدية، التي تقتصر على إنتاج ما يكفي لاستهلاك المزارع وأسرته فقط، أو بيعه داخل نطاق مجتمعه المحلي المحدود.

وفي كثير من الأحيان يتعرض الفائض عن حاجة أسرته أو مجتمعه المحيط للتلف؛ بسبب غياب وسائل الحفظ والتخزين والنقل والتبريد، وهي من أكبر المشكلات التي تواجه العديد من الدول الأفريقية.

الأمن الغذائي فى أفريقيا يحتاج للعمل بمنهج سلاسل القيمة- الصورة من البنك الدولي

أقرا أيضًا: هدر الغذاء في جنوب أفريقيا يصل إلى 10 ملايين طن سنويًا لأسباب غريبة.. ماهي؟

ما هي الدول التي تواجه تلك المشكلة في القارة الأفريقية أكثر من غيرها؟

دول مثل جنوب السودان وبعض المناطق البعيدة عن المراكز الحضرية في إثيوبيا، وقد يصل الأمر فيها إلى تعرض السكان لموجات من الجوع أو المجاعة بين المواسم الزراعية.

وهناك دول أخرى تعاني بسبب ظروف الحرب، كالسودان على سبيل المثال، فعلى الرغم من امتلاك هذا البلد إمكانات وموارد جيدة نسبيًا، فإن الصراعات القائمة تؤثر بشكل كبير في قدرته الإنتاجية.

كيف تعمل الكوميسا على معالجة هذه التحديات؟

نركز على بناء منظومة متكاملة تشمل الاستثمار والبنية التحتية والطاقة، لأن تحقيق ما يُعرف بـ”اقتصاديات الحجم” في القطاع الزراعي يتطلب توافر هذه العناصر مجتمعة، ومن خلال برامج متعددة وشراكات تنموية متنوعة، نعمل على دعم الدول الأفريقية في تطوير سلاسل الإمداد وتحسين عمليات الإنتاج والتخزين والتسويق.

أقرا أيضًا: مسؤول في مرصد الصحراء والساحل: مكافحة تغير المناخ في أفريقيا تصطدم بتحدي التمويل (خاص)

هل تمول الكوميسا بشكل مباشر وما أبرز المشروعات التي تعملون عليها حاليًا؟

الكوميسا لا توفر التمويل من مواردها الذاتية، وإنما تعتمد على شركاء التنمية، الذين يقدمون التمويل اللازم لتنفيذ البرامج والمشروعات المختلفة في الدول الأعضاء.

لدينا عدد كبير من المشروعات في مجالات بناء سلاسل القيمة المضافة للمنتجات الزراعية والغذائية، وقد انتهينا من تنفيذ مشروع استغرق نحو 5 سنوات، ونعمل حاليًا على إطلاق مشروع جديد بالتعاون مع منظمات دولية مثل منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية “يونيدو” ومركز التجارة الدولية، إلى جانب مشروعات مدعومة من الاتحاد الأوروبي.

تركز هذه البرامج على التصنيع الزراعي، وتحويل الخامات الأولية إلى منتجات ذات قيمة مضافة، مثل الألبان والمنتجات الغذائية المعلبة.

ما حجم تأثير أزمة الأمن الغذائي في أفريقيا حاليًا؟

القارة الأفريقية تضم أكبر عدد من الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي على مستوى العالم، والأرقام في تزايد خلال السنوات الأخيرة، وقد أسهمت عدة عوامل في تفاقم الأزمة، منها جائحة كورونا، ثم الحرب الروسية الأوكرانية وما نتج عنها من اضطرابات في أسواق الغذاء والأسمدة، إضافة إلى الأزمات الجيوسياسية الأخيرة (حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران) التي انعكست على أسعار السلع والطاقة.

التأثيرات كبيرة للغاية وتمس ملايين الأشخاص، خاصة الأطفال وكبار السن والفئات الأكثر هشاشة فالأمن الغذائي لا يتعلق فقط بتوافر الغذاء، بل يرتبط أيضًا بجودة التغذية والصحة العامة والاستقرار الاجتماعي.

أقرا أيضًا: ماهو مستقبل الزراعة في عالم يزداد حرارة؟

كيف تؤثر التغيرات المناخية في الزراعة في الدول الأفريقية؟

معظم الزراعة في أفريقيا تعتمد على الأمطار، وليس على نظم ري حديثة ودائمة، كما أن عدد الدول التي تمتلك أنظمة ري متطورة ما زال محدودًا، ومصر من بين الدول القليلة التي تعتمد على الري الدائم، ولذلك فإن الجفاف أو الفيضانات يمكن أن يؤديان إلى خسائر كبيرة في الإنتاج الزراعي.

التوسع الزراعي في أفريقيا
سيدتان أفريقيتان تزرعان – الصورة من موقع أوبن أكسس غافرمينت

هل هناك أمثلة واضحة على انعكاس التغيرات المناخية على الزراعة؟

شهدت زامبيا قبل عامين تراجعًا حادًا في إنتاج المحصول الغذائي الرئيس وهو الذرة؛ بسبب موجة جفاف شديدة، كما واجهت مالاوي المشكلة نفسها، وتعرضت كينيا لفيضانات أثرت في الإنتاج الزراعي، كما أن ظاهرة “النينيو” المناخية أثرت في عدد من الدول مثل مدغشقر وموريشيوس وكينيا وزامبيا.

كيف يمكن للقطاع الزراعي التكيف مع هذه التغيرات؟

التكيف مع تغير المناخ أصبح ضرورة وليس خيارًا، لذلك نعمل على دعم مفاهيم الزراعة القادرة على الصمود أمام التغيرات المناخية، من خلال تشجيع استخدام بذور مقاومة للجفاف، وتحسين تقنيات الزراعة والإنتاج بما يراعي الاعتبارات المناخية، ويحد من المخاطر المستقبلية.

هل تعملون على توفير تمويل للزراعة في أفريقيا؟

التمويل هو التحدي الأساسي، لأن أفريقيا تمتلك موارد زراعية هائلة من أراضٍ خصبة ومياه متوافرة في أجزاء كبيرة من القارة، لكن الزراعة لا تعتمد على التربة والمياه فقط، ولهذا أصبح التوسع في الاستثمار الزراعي ضرورة، خاصة أن القارة الأفريقية لا تزال مستوردًا صافيًا للغذاء، إلى جانب وجود أعداد كبيرة من الأشخاص الذين يعانون من الجوع وانعدام الأمن الغذائي.