حذرت دراسة أوروبية حديثة من أن منظومة الغذاء في أوروبا لا تزال عاجزة عن تحقيق التحول المطلوب نحو نظام غذائي مستدام بالسرعة اللازمة، رغم وجود توافق واسع بين الحكومات والباحثين والقطاع الخاص على ضرورة التغيير.
ويقصد بالتحول نحو منظومة الغذاء المستدام في أوروبا، إعادة هيكلة شاملة لكامل “سلسلة الإمداد الغذائي”؛ بدءًا بالزراعة وحتى الإنتاج، مرورًا بالتصنيع والتغليف، وصولًا إلى الاستهلاك والتخلص من النفايات.
هذه المفارقة، هي محور مقال جديد نُشر في مجلة “نيتشر فود”، والذي جرى تنسيقه من خلال تعاون مشترك بين: يورغن إي. أوليسن من جامعة آرهوس، وبارت دي ستينهويسن بيترز من جامعة فاغينينغين للبحوث، وصوفي نيكلاوس من المعهد الوطني للبحوث الزراعية والغذائية والبيئية (INRAE)، إلى جانب باحثين من عدد من الجامعات والمؤسسات البحثية الأوروبية.
أشارت الدراسة، التي اطلعت عليها “غذاء ومناخ”، إلى أن النظام الزراعي والغذائي الأوروبي يواجه تحديات متزايدة تتمثل في تداعيات التغير المناخي، وتراجع التنوع البيولوجي، وارتفاع معدلات الأمراض المرتبطة بالأنماط الغذائية غير الصحية، إلى جانب الحاجة إلى توفير غذاء ميسور التكلفة، وضمان الأمن الغذائي، والحفاظ على القدرة التنافسية للقطاع الزراعي.
ورغم تبني الاتحاد الأوروبي أهدافًا طموحة من خلال “الصفقة الخضراء” والخطط المناخية الوطنية للدول الأعضاء، تؤكد الدراسة أن التقدم المحرز على أرض الواقع لا يزال محدودًا، فيما تستمر العديد من المشكلات الهيكلية دون حلول جذرية.
بطء تحول منظومة الغذاء في أوروبا رغم رغبة معظم الأطراف في التغيير
يرى الباحثون أن أسباب تعثر التحول في منظومة الغذاء في أوروبا نحو الاستدامة، وبطء خطوات القارة في هذا الاتجاه، لا تكمن في نقص المعرفة أو غياب الرغبة لدى الأطراف المختلفة.
وعلى عكس ذلك، فالكثير من المزارعين والشركات والمستهلكين وصناع السياسات يرغبون في التغيير، إلا أنهم يعملون ضمن منظومة تتداخل فيها الحوافز والقوانين وهياكل السوق والعادات الاجتماعية، بما يؤدي إلى الإبقاء على الأوضاع الحالية.
وقالت صوفي نيكلاوس: “هناك إجماع واسع على ضرورة تغيير نظام الإمداد الغذائي في أوروبا. ومع ذلك، فإن الأطر التنظيمية محافظة للغاية، مما يعني أن التغيير يحدث ببطء شديد. هذا التناقض هو ما حاولنا فهمه في هذه الدراسة”.

أقرا أيضًا: مخاوف حول سلامة الغذاء المُغلف بالبلاستيك المُعاد تدويره (تقرير أممي)
5 عوامل تسهم في بطء تحركات غذاء أوروبا نحو الاستدامة
يأتي في مقدمة العوامل، التي تؤدي إلى بطء منظومة الغذاء في أوروبا نحو الاستدامة؛ تجزؤ السياسات وضعف التنسيق بين القطاعات المختلفة، حيث تُدار ملفات الزراعة والصحة والبيئة والتجارة ضمن أطر منفصلة، ما يؤدي أحيانًا إلى تعارض السياسات والأهداف.
أشار الباحثون إلى صعوبة تغيير العادات الغذائية السائدة في أوروبا، خاصة مع استمرار الاعتماد الكبير على المنتجات الحيوانية والأغذية غير الصحية، في ظل تأثير عوامل اقتصادية وثقافية واجتماعية عديدة في سلوك المستهلكين.
وشمل العقبات أيضًا هيمنة هياكل السوق، التي تعطي أولوية للكفاءة والإنتاج واسع النطاق، والأسعار المنخفضة، ما يحد من الاستثمارات طويلة الأجل في مجالات مثل: صحة التربة والتنوع البيولوجي والاستدامة البيئية.
أما العامل الرابع فيتمثل في عدم احتساب التكاليف البيئية الحقيقية ضمن أسعار الغذاء، وهو ما يقلل من قدرة البدائل المستدامة على المنافسة داخل الأسواق.
في حين يتمثل العامل الخامس في تزايد حالة عدم اليقين الناتجة عن تغير المناخ والتوترات الجيوسياسية والصدمات الاقتصادية العالمية، بينما لا تزال منظومة الغذاء في أوروبا مصممة لتحقيق الكفاءة أكثر من تعزيز المرونة والقدرة على مواجهة الأزمات.
أقرا أيضًا: وزارة الزراعة الألمانية تُعيد اللحوم إلى قائمة وجباتها الرسمية كما وعد راينر.. فهل يفعلها في المدارس؟

أقرا أيضًا: خفض هدر الغذاء على طريقة ألبرت هاين.. أنظر شمّ تذوّق
مقترحات لدفع عمليات التحول الغذائي في أوروبا
طرحت الدراسة عددًا من المقترحات الرئيسة لمساعدة: صناع القرار والشركات ومنظمات المجتمع المدني، على دفع عملية التحول الغذائي في أوروبا، من بينها إعطاء الأولوية لضمان الوصول إلى غذاء صحي ومستدام وميسور التكلفة.
ودعت إلى إشراك جميع الأطراف في عمليات التحول، بما في ذلك الفئات التي قد تتأثر سلبًا، وتعزيز الشفافية والمساءلة في عمليات اتخاذ القرار، والاستفادة من التنوع الكبير في النظم الزراعية والغذائية الأوروبية بوصفها مصدر قوة.
وقال بارت دي ستينهويسن بيترز: “إذا اقتصر النظر على الزراعة فقط دون باقي حلقات سلسلة الغذاءمن التربة إلى المائدة، فإننا نفقد التماسك. وهذا تحدٍ هيكلي جوهري”.
خلصت الدراسة إلى أن تحقيق التحول المستدام في منظومة الغذاء في أوروبا لن يكون ممكنًا من خلال إجراءات منفردة أو حلول تقنية محدودة، بل عبر إصلاحات متكاملة تعالج الأسباب الهيكلية التي تعيق التغيير وتضمن بناء نظام غذائي أكثر مرونة واستدامة في المستقبل.
ويرى القائمون على الدراسة أن معالجة هذه التحديات تتطلب تعاونًا بين تخصصات متعددة تشمل العلوم الطبيعية والاجتماعية وأبحاث التغذية، نظرًا للطبيعة المعقدة والمترابطة للمشكلة.
مزيد من التفاصيل:

