كشفت دراسة حديثة أن إعادة تدوير مخلفات الغذاء قد تخفض الانبعاثات بنسبة 99%، لكنها حذرت من أن هذه الفوائد قد تأتي مصحوبة بمخاطر بيئية جديدة تتمثل في انتشار الجسيمات البلاستيكية الدقيقة “الميكروبلاستيك” في التربة الزراعية.
كشفت الدراسة، التي أجراها باحثون من جامعة فيرمونت الأميركية ونُشرت في دورية ” نيتشر فود” أن توسيع نطاق إعادة تدوير مخلفات الغذاء على مستوى الولايات المتحدة، يمكن أن يحقق خفضًا هائلًا في الانبعاثات المرتبطة بإدارة هذه المخلفات، لكنه يتطلب في الوقت ذاته استراتيجيات واضحة للتعامل مع التلوث البلاستيكي.
تعتمد العديد من الولايات الأمريكية على مدافن النفايات للتخلص من كميات ضخمة من مخلفات الغذاء، وهي عملية تؤدي إلى انبعاث غاز الميثان، أحد أكثر الغازات المسببة للاحتباس الحراري تأثيرًا في المناخ.
تشير الدراسة إلى أن تحويل هذه المخلفات إلى السماد العضوي أو معالجتها عبر الهضم اللاهوائي لإنتاج الغاز الحيوي يمكن أن يخفض التأثيرات المناخية الحالية بنسبة 89%-99%، وفق تقرير الدراسة الذي اطلعت عليه “غذاء ومناخ”.
برامج إعادة تدوير مخلفات الغذاء أداة فعالة لمواجهة التغير المناخي
قدرت الدراسة إمكانية خفض تلوث النيتروجين بنسبة تتراوح بين 49% و54%، بينما قد ينخفض تلوث الفوسفور بنسبة تتراوح بين 78% و98%، ويمكن أن تسهم هذه الممارسات في تقليل التلوث الناتج عن العناصر الغذائية المتسربة إلى المسطحات المائية.
يرى الباحثون أن هذه النتائج تعزز أهمية التوسع في برامج إعادة تدوير مخلفات الغذاء بوصفها أداة فعالة لمواجهة تغير المناخ وتحسين إدارة الموارد.
رغم المكاسب البيئية الكبيرة، حذرت الدراسة من جانب آخر أقل وضوحًا يتمثل في انتقال الجسيمات البلاستيكية الدقيقة إلى التربة الزراعية عبر المواد العضوية الناتجة عن عمليات التسميد والهضم اللاهوائي.

أقرا أيضًا: تكلفة تجنب انبعاثات تحويل مخلفات الطعام إلى سماد تزيد 9 أضعاف عن معالجة أضرار الكربون
الميكروبلاستيك يعني التحدي الخفي
وفقًا لتقديرات الباحثين، فإن استخدام الجسيمات البلاستيكية الدقيقة على نطاق واسع في الأراضي الزراعية قد يؤدي إلى إضافة نحو 20 ألف طن من الميكروبلاستيك إلى التربة سنويًا في الولايات المتحدة.
قالت كيت بورترفيلد، الباحثة الرئيسة في الدراسة، إن التلوث البلاستيكي أصبح جزءًا واسع الانتشار من الأنظمة الغذائية الحديثة، ما يجعل التخلص منه تحديًا معقدًا يتطلب تدخلًا مباشرًا وخططًا واضحة للحد من وصوله إلى المنتجات النهائية المستخدمة في الزراعة.
أضافت أن الجسيمات البلاستيكية الدقيقة موجودة في مختلف مراحل سلسلة الغذاء، الأمر الذي يفرض ضرورة إعادة النظر في تصميم مواد التعبئة والتغليف وآليات جمع وفرز المخلفات قبل معالجتها.
رحلة المخلفات من النفايات إلى الطاقة
اعتمدت الدراسة على نماذج متقدمة لتقييم دورة الحياة الكاملة لمخلفات الغذاء، بدءًا من جمعها ونقلها، مرورًا بعمليات المعالجة المختلفة، وصولًا إلى استخدامها كسماد أو تحويلها إلى طاقة.
أظهرت النتائج أن العناصر الغذائية المسترجعة من المخلفات العضوية يمكن أن تسهم في تقليل الاعتماد على الأسمدة الصناعية، إلا أن تأثيرها سيظل محدودًا نسبيًا، إذ لن يغطي سوى نحو 2% من إجمالي الطلب السنوي على الأسمدة في الولايات المتحدة.
ورغم ذلك، يرى الباحثون أن الاستفادة من هذه الموارد تظل خطوة مهمة نحو بناء اقتصاد دائري أكثر استدامة، يعتمد على إعادة استخدام المخلفات بدلًا من التخلص منها.

أقرا أيضًا: لاجئو أوغندا يحوّلون مخلفات الطعام إلى وقود نظيف
اهتمام متزايد من صناع السياسات
يتزايد الاهتمام بملف مخلفات الغذاء داخل الولايات المتحدة، في ظل تقديرات تشير إلى أن نحو 40% من الغذاء المنتج يُهدر سنويًا، بينما تشغل المخلفات الغذائية قرابة ربع المساحات المتاحة في مدافن النفايات.
كانت ولاية فيرمونت من أوائل الولايات التي فرضت سياسات لإبعاد مخلفات الغذاء عن المدافن وإعادة توجيهها نحو التسميد أو الهضم اللاهوائي، في حين تدرس ولايات ومناطق أخرى تبني إجراءات مماثلة.
غير أن الباحثين يؤكدون أن نجاح هذه السياسات لا يعتمد فقط على التوسع في إعادة التدوير، بل يتطلب أيضًا معالجة التحديات المصاحبة لها، وعلى رأسها الحد من التلوث بالميكروبلاستيك قبل وصول المخلفات إلى مراحل المعالجة.
أقرا أيضًا: تقنية جديدة لاستحراج النكهات الطبيعية من مخلفات الطعام
التخطيط المبكر مفتاح النجاح
خلصت الدراسة إلى أن إعادة تدوير مخلفات الغذاء تمثل فرصة كبيرة لتحقيق أهداف المناخ وتقليل التلوث وتحسين إدارة الموارد، لكنها ليست حلًا خاليًا من التحديات.
يرى الباحثون أن التخطيط المبكر ووضع معايير أكثر صرامة للحد من التلوث البلاستيكي في سلاسل الغذاء والتعبئة والتغليف سيحدد مدى نجاح برامج إعادة تدوير المخلفات في تحقيق فوائد بيئية صافية على المدى الطويل.
- مزيد من التفاصيل:

