خصخصة خدمات وجبات المساجين الأميركيين تضر بغذاء المحتجزينسجين يتناول وجبة - الصورة من مركز سياسات الغذاء بمدينة نيويورك

لم يكن الرجل الجالس على مائدة الطعام في سجن مقاطعة كولومبيا يتوقع أن يجد فأرًا داخل وجبته، لكن ما حدث لم يكن مجرد واقعة عابرة، بل مثالًا على حال جودة وسلامة وجبات المساجين الأميركيين؛ مع توسع اعتماد المؤسسات العقابية، التي تضم مليوني سجين، على شركات خاصة.

وفقا لمقال لـ أميليا كيليهر، ودانييل روزين، وليزلي سوبل، أطلعت عليه “غذاء ومناخ”، تسيطر شركة ” أرامارك” على خدمات الوجبات في سجن مقاطعة كولومبيا، إلى جانب مئات المنشآت العقابية في الولايات المتحدة، بحصة تُقدر بنحو 35%.

وتقدم الشركة أكثر من 400 مليون وجبة سنويًا، للأشخاص المحتجزين في 17 نظامًا للسجون بالولايات المتحدة، فضلًا عن عدد إضافي من مرافق الاحتجاز في أنحاء البلاد، فيما تأتي شركتي “ترينيتي سيرفيسز غروب” و إيليور نورث أميركا ” في المرتبتين الثانية والثالثة من حيث الحصة السوقية.

وتشير التقديرات إلى أن سوق خدمات وجبات المساجين الأميركيين يبلغ قيمته نحو 5.1 مليار دولار سنويًا، وهو ما يجعل عقود تقديم تلك الخدمات مصدرًا مهمًا للإيرادات بالنسبة للشركات العاملة في هذا القطاع.

خصخصة خدمات وجبات المساجين الأميركيين تثير مخاوف غذائية

يشير التقرير الصادر في مايو/أيار الماضي، من مركز العلوم في المصلحة العامة ومشروع التغذية في السجون، تحت عنوان: “الطعام الخاص، ضرر عام: خصخصة خدمات الطعام في السجون ومراكز الاحتجاز”، إلى أن جودة وسلامة وجبات المساجين الأميركيين قد تتدهور بشكل أكبر عندما تُدار الخدمات من قِبل موردي القطاع الخاص.

ويوضح أن الوجبات المقدمة في السجون الأميركية نادرًا ما تتضمن منتجات طازجة، وتعتمد في كثير من الأحيان على أطعمة فائقة المعالجة، وغنية بالكربوهيدرات، وخضراوات نشوية، ومنتجات لحوم أو صويا غير واضحة المصدر.

رصد التقرير مخاوف بشأن عدم كفاية إجراءات السلامة ومراقبة الجودة، إلى جانب شكاوى من تقديم أطعمة غير مكتملة الطهي أو متعفنة أو فاسدة، وحصص غذائية غير كافية، فضلًا عن وجبات قيل إنها كانت ملوثة باليرقات.

ولا تتوقف المشكلة عند جودة الطعام؛ إذ خلص التقرير إلى أن وجبات ” أرامارك” لا تفي ببعض التوصيات الأساسية الواردة في الإرشادات الغذائية للأميركيين للمدة من 2020 إلى 2025، مع محدودية الفواكه والخضراوات وارتفاع مستويات الصوديوم والحبوب المكررة.

الوجبات المقدمة في السجون الأميريكية نادرًا ما تتضمن منتجات طازجة
الوجبات المقدمة في السجون الأميركية نادرًا ما تتضمن منتجات طازجة – الصورة من موقع ديلي ميل

اقرأ أيضًا: الجفاف في أميركا يضغط على مزارعي القمح ومربي الماشية

خفض كمية الوجبة لتحقيق ربح

يرى معدو التقرير أن نموذج الخصخصة قد يخلق حوافز تدفع الشركات إلى خفض تكاليف الوجبات؛ لتعزيز هوامش أرباحها، عبر ممارسات عديدة منها: تحصيل رسوم مقابل وجبات لم تقدمها، وتقليل المكونات، وإضافة مواد حشو منخفضة التكلفة، فضلًا عن إلغاء بعض متطلبات تدريب العاملين المسؤولين عن إعداد الوجبات.

كما أن عدم كفاية وجبات المساجين من حيث الكمية والجودة قد يدفع المحتجزين إلى استخدام أموالهم الخاصة لشراء مزيد من الطعام من متاجر السجون، والتي تبيع منتجات مثل المعكرونة سريعة التحضير، والمعكرونة بالجبن، وزبدة الفول السوداني، والحلويات.

وتبرز هنا نقطة أخرى يثيرها التقرير، وهي تولي الموّرد نفسه إدارة خدمات الوجبات ومتاجر السجون، ما يعني أنه قد يخفض كمية الوجبات لدفع المساجين للشراء من متاجر السجون.

وواجهت ” أرامارك” 500 دعوى قضائية منذ عام 2000، بشأن ممارسات يقول المدعون إنها تنتهك قوانين حماية المستهلك وسلامة الغذاء.

اقرأ أيضًا: زيادة استهلاك البروتين في أميركا إلى الضعف.. توصية جديدة من إرشادات الغذاء

من خفض التكاليف إلى خصخصة أوسع

بدأت الولايات المتحدة في إسناد خدمات وجبات المساجين إلى شركات خاصة في أوائل سبعينيات القرن الماضي، في محاولة لزيادة الكفاءة وخفض التكاليف، ورغم استمرار عدد من الولايات في إدارة هذه الخدمات، فإن الاتجاه نحو الخصخصة اتسع، إذ تستعين 18 وكالة إصلاحية تابعة للولايات حاليًا بشركات خاصة لإدارة خدمات الوجبات في السجون.

لفحص آثار هذا النموذج، استند التقرير إلى مراجعة 134 مقالًا وتقريرًا، وإجراء مقابلات متعمقة مع 4 مدافعين عن حقوق المحتجزين و3 أشخاص سبق احتجازهم و3 متخصصين في خدمات الطعام، إلى جانب تحليل أكثر من 500 قضية قانونية رُفعت ضد” أرامارك” منذ عام 2000.

أظهرت المقابلات والوثائق، مخاوف متكررة بشأن القيمة الغذائية للوجبات وسلامتها لدى الأشخاص الذين تناولوا وجبات الشركة أو شاركوا في تقديمها داخل المؤسسات العقابية.

اقرأ أيضًا: كيف تستفيد مطاعم أميركا من كأس العالم؟

وجبة في سجن أميركي
وجبة في سجن أميركي – الصورة من موقع بيبول

150 مليون وجبة سنويًا أمام اختبار الخصخصة

لا يقتصر الجدل على السجون التابعة للولايات؛ إذ بدأ مكتب السجون الفيدرالي في الأول من مايو/أيار دراسة إمكانية إسناد خدمات وجبات المساجين الأميركيين ومتاجر السجون والرعاية الصحية إلى شركات خاصة، من خلال طلبات للحصول على معلومات من الجهات المعنية.

يدير المكتب برنامج خدمات الطعام في 122 منشأة على مستوى الولايات المتحدة، ويقدم نحو 430 ألف وجبة يوميًا، بإجمالي يقارب 150 مليون وجبة خلال السنة المالية 2024.

لم يكن المكتب قد أعلن نتائج طلبات المعلومات أو الخطوات التالية التي يعتزم اتخاذها، لكن التوجه نحو توسيع الخصخصة يثير مخاوف بشأن مستوى المساءلة والشفافية وجودة الطعام المقدم لأكثر من 150 ألف شخص تحت رعايته.

يرى معدو التقرير أن إسناد خدمات الطعام إلى شركات خاصة قد يؤدي إلى تقليل الرقابة العامة، خصوصًا إذا لم تترافق العقود مع معايير واضحة للسلامة والجودة وآليات فعالة لمحاسبة الشركات عند الإخلال بالتزاماتها.

  • مزيد من التفاصيل: