تمهد أزمة الأسمدة الحالية، التي أسفرت عنها الحرب في إيران، وإغلاق مضيق هرمز، لهيمنة روسية في الأسواق، كما أن ارتفاع أسعار الغذاء الحقيقى (تضخم الغذاء) نتيجة هذه الأزمة سيظهر في 2027، وفق ألكسندرا بروكوبينكو باحثة في مركز كارنيغي روسيا أوراسيا.
كتبت الباحثة مقالًا تحليليًا على الموقع الإلكتروني للمركز، أشارت فيه إلى أنه تاريخيًا، كانت روسيا أكبر مُصدِّر للأمونيا اللامائية في العالم؛ إلا أن خط أنابيب الأمونيا بين تولياتي وأوديسا مُتوقف عن العمل حاليًا بسبب الحرب في أوكرانيا.
وكان من المفترض أن يُسهم إنشاء محطة جديدة في شبه جزيرة تامان في حل هذه المشكلة جزئيًا، لكن تفاصيل طاقتها الاستيعابية الكاملة لا تزال غير واضحة، ومع ذلك، أعلن الكرملين أن “روسيا من الدول القليلة القادرة على ضمان زيادة المعروض في السوق”.
,الأمونيا اللامائية هي الشكل النقي والمركز من غاز الأمونيا (أكثر من 99% تركيز)، وتتميز بخلوها تمامًا من الماء، وتُعدّ سمادًا نيتروجينيًا عالي الكفاءة (82% نيتروجين).
وأوضحت الباحثة في المقال، الذي تستعرضه غذاء ومناخ في السطور التالية، أن أزمة الأسمدة الحالية ستؤدي إلى تغييرات تدريجية، لكنها لا رجعة فيها، ستستغرق أسعار المواد الغذائية من 6-9 أشهر للاستجابة لصدمة العرض الناتجة عن إغلاق مضيق هرمز، وفي الوقت نفسه قد تجني روسيا فوائد أكثر استدامة من مجرد جني أرباح مؤقتة من عائدات النفط.
تفاصيل أزمة الأسمدة

مضيق هرمز هو أهم ممر مائي ليس فقط للنفط، بل للأسمدة أيضًا، إذ تُشكّل دول الخليج العربي نحو 46% من إجمالي صادرات اليوريا المنقولة بحرًا عالميًا، ونحو 30% من صادرات الأمونيا، وهذه المركبات النيتروجينية أساسية لزراعة جميع المحاصيل الغذائية تقريبًا بكفاءة، إلا أن شحنها مُعطّل حاليًا، وفق باحثة كارنيغي.
وأدّت اضطرابات النقل البحري عبر المضيق إلى ارتفاع حاد في أسعار الأسمدة النيتروجينية والفوسفورية.
ووفقاً لشركة بلاتس، ارتفع سعر اليوريا الحبيبية من الشرق الأوسط، تسليم ظهر السفينة (إف أوه بي) إلى 604-710 دولارات للطن في 19 مارس/آذار الجاري، بعد أن كان يتراوح بين 436 -494 دولارًا قبل بدء الحرب التي شنتها أميركا وإسرائيل على إيران في نهاية فبراير/شباط الماضي.
وبلغ سعر اليوريا الحبيبية من جنوب شرق آسيا 750 دولارًا للطن، مقابل 490 -498 دولارًا في أواخر فبراير/شباط، ورغم أن هذه الأسعار لا تزال أقل من أعلى مستوياتها المسجلة في عام 2022 (بدء حرب روسيا على أوكرانيا) إلا أنها مستمرة في الارتفاع.
اقرأ أيضًا: حظر صادرات أسمدة نترات الأمونيوم الروسية.. لكن لماذا أوروبا أكبر الضحايا؟
وعلى عكس النفط، لا توجد احتياطيات استراتيجية من اليوريا، ولا خطوط أنابيب بديلة لها، أو برامج مرافقة عسكرية.
ويُقاس الفارق الزمني بين انقطاع إمدادات الأسمدة وارتفاع أسعار الغذاء بالفصول لا بالأيام، وقد يلجأ المزارع الذي لا يحصل على اليوريا في بداية موسم الزراعة إلى استخدام كميات أقل من الأسمدة، أو التحول إلى محصول آخر، أو التخلي عن الزراعة تمامًا.
ويؤثر هذا القرار في المحصول خلال 3-6 أشهر، ويستغرق وقتًا أطول للتأثير في أسعار السوبر ماركت، “ونحن اليوم في بداية هذه الدورة”، وفق الباحثة.
الطلب على الأسمدة يتوجه إلى روسيا
كما هو الحال في سوق النفط، تُعدّ روسيا من أبرز المستفيدين من أزمة الأسمدة الحالية، إذ تستحوذ على نحو 23% من صادرات الأمونيا العالمية، و14% من اليوريا، و40% من البوتاس بالاشتراك مع بيلاروسيا.
كما أن بنيتها التحتية التصديرية مستقلة تمامًا عن مضيق هرمز، لذلك لا تحتاج موسكو إلى وقف إطلاق نار، أو حماية عسكرية، أو انفراجة دبلوماسية لزيادة صادراتها، وكل ما تحتاجه هو الطلبات، وهي تتزايد باستمرار.
وبدأت نيجيريا وغانا شراء الأسمدة الروسية مسبقًا للربع الثالث من عام 2026، “ويُعدّ هذا رد فعل منطقيًا من السوق على اختفاء الإمدادات المنافسة، وبمجرد ترسيخ هذه الروابط، ستتحول إلى اعتماد قد يدوم حتى بعد انتهاء أي وقف لإطلاق النار”، وفق باحثة كارنيغي.
وقالت: “لا يُفكّر المسؤولون عن شراء الأسمدة في إثيوبيا وبنغلاديش في الصراع الأوكراني عندما يحتاجون إلى اليوريا قبل موسم الأمطار الموسمية، بل يتصلون بالكرملين، فيُجيبهم” .
اقرأ أيضًا: من الرابحون من أزمة الأسمدة التي أشعلتها حرب إيران؟
وتُدرك موسكو جيدًا هذه الفرص الجديدة، ففي مقابلة مع صحيفة كوميرسانت بتاريخ 18 مارس/آذار، صرّح نيكولاي باتروشيف، مساعد الرئيس، بأن الحرب الأميركية مع إيران ليست أزمة مؤقتة، بل إعادة هيكلة يجب استغلالها.
وعلى المدى البعيد، سيجني الكرملين مكاسب جيوسياسية من الاضطرابات في الخليج العربي، وليس فقط مكاسب مالية.

ومن المرجح أن يحصل على عائدات نفطية إضافية، لكنها قد تنضب، في الوقت نفسه، يُعد ارتفاع أسعار الأسمدة والمواد الغذائية انتصارًا ذا أبعاد مختلفة، فلن تكتفي روسيا بالاستفادة من ارتفاع الأسعار فحسب، بل ستتاح لها فرصة تحويل قوتها السوقية إلى نفوذ سياسي، واكتساب نفوذ على الدول التي تُعد حيادها أمرًا حيويًا للغرب.
ومن المرجح أن تنتهي الحرب في إيران قبل أن يدرك معظم الناس صلتها بارتفاع أسعار المواد الغذائية في عام 2027، وبحلول ذلك الوقت، ستكون روسيا قادرة على ترسيخ مكانتها كمورد لا غنى عنه أنقذ العالم من المجاعة.
مزيد من التفاصيل:

