تتجه مصر إلى الاستفادة من ثروتها من نخيل التمور عبر نفض أساليب قديمة في الإنتاج بُنيت على أساس معلومات خاطئة مثل عدم احتياج تلك الأشجار للمياه أو الأسمدة، ما أسهم في ضعف مكانتها في الصادرات، رغم أنها أكبر منتج عالمي للتمور، إضافة إلى تدريب طالع النخل في ظل ندرة هذه العمالة شديدة التخصص، والصعوبة، وهو ما يؤثر سلبًا في استثمار الشركات في القطاع، وفق تصريحات الدكتور محمد أمين، الباحث بالمعمل المركزي لأبحاث النخيل، التابع لمركز البحوث الزراعية.
وقال أمين لـ (غذاء ومناخ)، إنه على عكس السائد، فإن نخيل التمور يحتاج إلى كميات كبيرة من المياه، ومتوسط احتياج الشجرة من عمر 7-8 سنوات، يصل إلى 400-500 لتر يوميًا، وإن كانت قادرة على تحمل العطش.
أجرت (غذاء ومناخ) حوارًا مع الدكتور محمد أمين، على هامش المؤتمر الزراعي المصري الهولندي، الذي انعقد في القاهرة مؤخرًا، وفيما يلي نص الحوار:
مصر أكبر مُنتج للتمر، ورغم ذلك تسبقنا دول أخرى عربية في الصادرات مثل الإمارات والسعودية، أين تكمن المشكلة؟
نعم هذه حقيقة، لذلك بدأنا التركيز على عدة نقاط، لتغيير هذا الوضع، أهمها توزيع أصناف النخيل وفق المناطق التي تتناسب معها مناخيًا، وهذه من أهم النقاط التي لم ينتبه إليها مزارعو نخيل التمور من قبل، “على سبيل المثال قد يُزرع المجدول في الوجه البحري رغم أنه يحتاج إلى مناخ حار، والأنسب زراعته في جنوب البلاد”.
نخيل التمر يستغرق وقتًا طويلًا حتى يثمر، ومصر بها عدد هائل من النخيل القديم، هل يعني ذلك ضرورة قلعه؟
النخيل القديم من أصناف محددة وهي الزغلول والسماني والحياني، ونتعامل معها بطريقة صحيحة للحصول على إنتاجية أعلى، لكن مدة صلاحية هذه التمور قصيرة، لذلك لا تناسب التصدير.
اقرأ أيضًا: مهرجان القاهرة الدولي للتمور السادس.. مصر تسعى للتصدير بزراعة الأصناف السعودية والتصنيع

في قرى مصر يجمدون التمور للموسم التالي، فلماذا لا نفعل الأمر نفسه في تصدير الأصناف المحلية؟
هذا ينفع مع أصناف محددة، لكن تجميد أصناف عديدة يغير مظهرها ومزاقها مثل الزغلول، الذي يمكن تجميدة لمدة شهرين، لكن بعد ذلك يتحول إلى رطب، ما يجعل مذاقه غير مستحب للكثيرين، كما تحوله إلى هذه المرحلة يبدأ طرف الثمرة في التعفن وتصبح غير صالحة.
هل في بعض الأصناف التي يمكن تجميدها يتدخل عامل التكلفة من استهلاك الطاقة في هذه العمليات؟
نعم، فالطاقة تزيد التكاليف، ونحن في مصر نحتاج إلى خفض استهلاك الطاقة، كما أنه كلما استطعنا خفض تكلفة المُنتج، زادت قدرتنا التنافسية في الأسواق الخارجية.
لذلك كان توجه الدولة نحو زراعة الأصناف القابلة للتصدير مثل المجدول، الذي يحتل المرتبة الأولى عالميًا في صادرات التمور، لطول مدة صلاحيته.
وتأمل مصر في تحقيق طفرة في مجال إنتاج وتصدير التمور من خلال المجدول.
منذ متى بدأنا التركيز على المجدول في مصر، وما هي حصته من إجمالي الإنتاج؟
بدأ منذ 5-6 سنوات، وأصبح مركز اهتمام المستثمرين، ولا أمتلك أرقامًا عن حصته الآن على مستوى مصر، لكن في مناطق مثل الواحات البحرية، قد يصل المجدول في الزراعات الجديدة إلى أكثر من 85%.
أعتقد أن نخيل التمور لا يحتاج إلى كميات مياه كبيرة، وهذه ميزة، فهل المجدول يحمل الصفة نفسها؟
هناك خلط بين قدرة نخيل التمور على التحمل وحجم احتياجاتها من المياه، لكن حتى نحصل على أعلى إنتاجية من شجرة النخيل، لها احتياجات محددة (مُقنّن مائي)، وإذا زُرعت في منطقة لا تتوفر فيها تلك الكميات من المياه، ستتحمل، لكنها لا تعطي الإنتاجية المناسبة من ناحية الكمية وأيضًا الجودة.
ماهي الإنتاجية الجيدة من شجرة النحيل؟
من 80 إلى 120 كيلوغرام لصنف المجدول عمر 7-8 سنوات تقريبًا.
ماهو حجم احتياج شجرة نخيل التمور من المياه في المتوسط؟
من 400 إلى 500 لتر يوميًا، وقد تقل أو تزيد حسب نوع التربة من طفلة إلى رملية، لكن التوجه الآن هو الزراعة في الصحراء، أي تربة رملية، وإدارة المياه عامة تؤثر في إنتاجية النخيل.
هذه الكمية كبيرة نسبيًا على عكس الاعتقاد السائد، لكن مقارنة بمحاصيل الخضروات هو أقل، خاصة أن متوسط عدد أشجار النخيل في الفدان الواحد 60 شجرة فقط.
أشرت إلى أن تغير المناخ يؤثر جدًا في نخيل التمور مؤخرًا، كيف؟
نعم، أحيانًا ترتفع الحرارة بصورة زائدة عن حاجة النخيل وقت التزهير، ما يؤثر في التلقيح، كما شهدنا أيضًا ظاهرة ارتفاع الحرارة في مناطق أخرى، بعد عقد الثمار، ما أسقطها.
تسبب تغير المناخ في انتشار أمراض فطرية لبعض النباتات، فهل حدث الأمر نفسه للنخيل؟
هذا يحدث إذا ارتفعت الحرارة مع الرطوبة، وارتفاع كثافة الزراعات يساعد على انتشار الأمراض الفطرية، لذلك ننصح دائمًا بترك مسافات كبيرة بين الشجرة والأخرى، فصنف مثل المجدول يجب أن لا تقل المسافة بين شجرتي النخيل عن 8 أمتار.
التقلبات المناخية عمومًا تؤثر في فسيولوجية شجرة النخيل، وهي مثل الإنسان، تتأثر بتقلبات الحرارة.
هناك مسألة مهمة ترتبط بالنخيل أيضًا ومن الضروري التركيز عليها، وهي الأسمدة، لأن هناك الكثيرون من يعتقدون أن النخيل لا يُسمد، لكن الحقيقة غير ذلك، فلابد من التسميد كي تحصل أشجار نخيل التمور على عناصره الغذائية، وينفذ مركز البحوث ومعمل النخيل دورات بصورة متكررة للتوعية بذلك.

اقرأ أيضًا: صناعة التمور المصرية.. دعوة لاستخدام الأوزون في الإنتاج
هل هناك شيئًا آخر مهمًا يمكن أن تضيفه حول نخيل التمور؟
تدريب عمالة زراعات النخيل (طالع النخل أو النخّال)، فمع الارتفاع الكبير في زراعة النخيل، نحتاج العمالة الفنية، وصعوبة المهنة تضعف الإقبال على العمل بها، كما يحصل طالع النخل على أجرًا عاليًا وهناك ندرة في تلك العمالة.
وبدأ مركز البحوث الزراعية في تدريب طالعي النخل، وينفذ برنامج مع منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، حيث ندرب مهندسين وفنيين، خاصة المهندسين، الذين يديرون المنظومة فيما بعد.
وطالع النخل يقوم بعدة أعمال، لكن المهمة الأهم هي خف الثمار، بهدف منح الفرصة لنمو حجم الثمار إلى الحجم المناسب للتصدير للأسواق المختلفة، وتجري عبر عدة طرق، منها: خف الشماريخ أو السباطة أو التمور نفسها.
ومن وظائف طالع النخل أيضًا، التلقيح والتقويس (التقويس هو ربط جريدة السباطة أو العزوق بعد ثنيها بصورة محدودة، بالجريدة المجاورة والتي تعلوها حتى لا تنكسر عندما يكبر حجم الثمار).
وتعاني الشركات خاصة الكبيرة التي تعمل في هذا المجال من نقص العمالة أو طالعي النخل، لذلك بدأ بعضها تعيين طالعي النخل بعد تدريبهم؛ حتى تضمن وجودهم معها طوال العام.

