يحتاج إنتاج الغذاء في ظل تفاقم آثار تغير المناخ إلى مزيج من الأنظمة الزراعية التي تجمع بين الحقول المفتوحة والصوبات والزراعة العمودية، ما يمكنها توفير كميات كافية لإطعام مليارات الأشخاص؛ بتكلفة معقولة.
شرح تقرير تحليلي منشور في موقع “ذا كونفرساشن”، اطلعت عليه “غذاء ومناخ”، ميزات وعيوب الاعتماد على الأنظمة الثلاثة في الزراعة.
ومع ذلك يرى التقرير أن الاختيار بين هذه الأنظمة في ظل تغير المناخ ليس بالسهولة التي يبدو عليها، وقال: “لا وجود لإجابة بسيطة حول ما إذا كانت الحقول أو البيوت الزجاجية أو المزارع العمودية هي الطريقة الأكثر مرونة لإنتاج الغذاء في ظل تغير المناخ”.
وأضاف: “تُعرض هذه الأنظمة – الحقول المفتوحة، والصوبات، والمزارع العمودية – أحيانًا على أنها رؤى متنافسة لمستقبل الغذاء، لكنها تعمل على نطاقات مختلفة تمامًا، والأهم من ذلك، أنها توفر مستويات مختلفة جدًا من التحكم في البيئة”.
تغير المناخ في الحقول المفتوحة
تمثل الحقول المفتوحة نطاقًا واسعًا، لكنها أكثر عرضة لتأثير تغير المناخ، لكنها المصدر الوحيد حاليًا لزراعات مثل القمح والشعير وبذور اللفت والبطاطس والعديد من الخضراوات.
ووفق التقرير التحليلي، تكمن الميزة الكبرى للزراعة في الحقول المفتوحة في نطاقها الواسع، إذ يُعدّ ضوء الشمس والأمطار من أهمّ العناصر الأساسية لنموّ النباتات، دون أن يضطرّ المزارعون إلى إنتاج أيٍّ منهما، فزراعة ملايين الأطنان من القمح داخل مبانٍ مضاءة لا يُعدّ خيارًا اقتصاديًا أو بيئيًا مُجديًا.
غير أن المزارعين لا يستطيعون التحكّم في موعد هطول الأمطار أو درجة حرارة الحقل، ويزداد هذا الأمر أهمية خلال أوقات الجفاف.
اقرأ أيضًا: قطاع الزراعة الكندي يخشى ترمب.. يهدد صادرات خضروات الصوبات ولحم الخنزير إلى أميركا
ويمكن للريّ أن يعوّض نقص الأمطار، لا سيّما بالنسبة للمحاصيل الأساسية كالبطاطس والعديد من الخضراوات الأخرى، ولكنّ توفّر المياه يختلف اختلافًا كبيرًا بين المزارع.

الصوبات الزراعية
توفّر الصوبات الزراعية تحكّمًا في المياه، لكنّها تتطلّب موارد كثيرة، ويمكن للنباتات أن تنمو بدون تربة، بينما تتحكم الحواسيب في الري والمغذيات والتهوية والرطوبة ودرجة الحرارة.
و تستطيع الأنظمة الحديثة توصيل المياه مباشرةً إلى منطقة الجذور، وجمع مياه الصرف لمعالجتها وإعادة استخدامها، وهذا يعني أنها قد تكون أكثر كفاءة في استخدام المياه بنسبة تصل إلى 90%.
ويجعل ذلك إنتاج الصوبات الزراعية (الدفيئات الزراعية) فعالًا للغاية من حيث استخدام المياه، كما يسمح بإنتاج كميات كبيرة من المحاصيل، مثل الطماطم والخيار والفلفل، من مساحة صغيرة نسبيًا، لكن كفاءة استخدام المياه لا تعني بالضرورة أمنها.
فدولة مثل هولندا، تمثل وهي واحدة من أكثر صناعات الدفيئات الزراعية تطورًا في العالم، تمثل هذه المشكلة، فقد زادت ظروف الجفاف الأخيرة الضغط على موارد المياه السطحية والجوفية، مما أثر في توافر المياه للزراعة، بما في ذلك زراعة الصوبات.
اقرأ أيضًا: التحول إلى أنظمة غذائية مستدامة أصبح ضرورة
يمكن للصوبات إعادة تدوير المياه بكفاءة عالية، لكنها لا تزال بحاجة إلى مصدر أصلي، ولذلك، سيصبح تجميع مياه الأمطار من أسطح الدفيئات، وزيادة تخزين المياه، وإعادة تدوير مياه الري، أمورًا بالغة الأهمية مع ازدياد خطر الجفاف.
كما تشكّل درجة الحرارة تحديًا آخر، فتوفر الصوبات الحماية من البيئة الخارجية، لكنها ليست معزولة عنها تمامًا، فإذا كان نمو الطماطم أفضل ضمن نطاق حراري محدد، يصبح الحفاظ على هذا النطاق أكثر صعوبة مع ازدياد قسوة الظروف الخارجية.
ويعني ذلك أن طريقة تشغيل الصوبات اليوم قد لا تكون هي نفسها في المستقبل، فقد يتطلب تغير المناخ تدخلًا أكبر لمجرد الحفاظ على ظروف النمو نفسها، “لكن التدخل مكلف”.

المزارع العمودية
تقع المزارع العمودية على الطرف الآخر من هذا الطيف من التحكم، إذ يمكن زراعة محاصيل مثل الخس والأعشاب والخضراوات الورقية على طبقات متعددة متراصة داخل المباني – حتى على عمق عدة كيلومترات تحت الأرض – مع تحكم دقيق في الضوء والماء والمغذيات والرطوبة ودرجة الحرارة.
وتستهلك هذه المزارع مساحات صغيرة من الأرض بشكل ملحوظ، وتعيد تدوير جزء كبير من مياهها، كما أنها محمية إلى حد كبير من الجفاف والعواصف وغيرها من الظروف الجوية القاسية، ولكن كلما زاد التحكم، زاد الاعتماد على البنية التحتية والطاقة.
وحتى المزارع العمودية ليست مستقلة تمامًا عن درجات الحرارة الخارجية، فتولد مصابيح LED وغيرها من المعدات حرارة يجب التخلص منها، وقد يتطلب الحفاظ على مناخ داخلي مثالي طاقة أكبر مع ابتعاد درجات الحرارة الخارجية عن الظروف التي يحتاجها المحصول.
وأشار التقرير التحليلي إلى “أن هذا يكشف عن مفاضلة جوهرية في الزراعة ذات البيئة المُتحكَّم بها، فكلما ابتعدنا عن إنتاج الغذاء عن البيئة الطبيعية، ازداد احتياجنا للطاقة والبنية التحتية اللازمة لتعويض الخدمات التي كانت الطبيعة توفرها مجانًا، لذلك قد تصبح الجدوى الاقتصادية أمرًا معقدًا”.
- مزيد من التفاصيل:
