تمثل النساء المزارعات العنصر الأكثر أهمية في إصلاح الأنظمة الغذائية العالمية، رغم استمرار استبعادهن من التكنولوجيا والتمويل والأسواق، وهي العوامل الأساسية اللازمة لتوسيع نطاق الحلول الزراعية والغذائية القادرة على مواجهة الجوع والتغير المناخي بحسب تقرير لمنظمة كير.
أكدت المنظمة، أن العالم يمتلك التكنولوجيا القادرة على تقليل فاقد الغذاء، إلا أن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب تصميم السياسات والاستثمارات بما يراعي احتياجات هؤلاء النسوة.
يُفقد أو يُهدر نحو ثلث الغذاء المنتج عالميًا، فيما تصل نسبة الخسائر في بعض الدول التي تعاني انعدام الأمن الغذائي، مثل كينيا والنيجر، إلى نحو 50% من الخضروات قبل وصولها إلى الأسواق بحسب التقرير
أشار التقرير، الذي اطلعت عليه (غذاء ومناخ) إلى أن المنتجات الأكثر غنى بالعناصر الغذائية، مثل الفواكه والبيض ومنتجات الألبان، تُعد الأكثر عرضة للتلف، رغم أنها تمثل عنصرًا أساسيًا في تغذية النساء والأطفال.
وتحلل الغذاء المهدَر يؤدي إلى انبعاث كميات ضخمة من غاز الميثان، بما يمثل نحو 10% من إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة عالميًا، ما يجعل أزمة هدر الغذاء قضية بيئية ومناخية إلى جانب كونها أزمة إنسانية وغذائية.
النساء المزارعات الأكثر تضررًا من الأزمات
الأنظمة الغذائية العالمية تواجه ضغوطًا غير مسبوقة، في ظل ارتفاع معدلات الجوع بالدول الأكثر هشاشة للعام السادس على التوالي، بالتزامن مع تصاعد الصراعات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الوقود والأسمدة وتفاقم تداعيات التغيرات المناخية.
أضاف تقرير “كير” أن المجتمعات الأكثر تضررًا من هذه الأزمات هي التي تضم صغار المزارعين، خاصة النساء المزارعات اللواتي يتحملن مسؤولية الزراعة وإعداد الغذاء داخل الأسر.
وأكدت المنظمة أن تخصيص الأمم المتحدة لعام 2026 بوصفه “العام الدولي للمرأة المزارعة” يمثل فرصة مهمة لإعادة النظر في كيفية إصلاح الأنظمة الغذائية العالمية، ووضع النساء في قلب هذه الجهود.

أقرا أيضًا: السماد العضوي في نيبال تصنعه النساء من أوراق أشجار الغابات الجافة
التكنولوجيا موجودة لكن الأنظمة تعيق نجاحها
العالم يمتلك حاليًا حلولا وتقنيات فعالة للحد من فقد الغذاء، من بينها التجفيف بالطاقة الشمسية، وأنظمة التخزين المحكمة، وتقنيات المعالجة صغيرة النطاق، وأجهزة التحلل الحيوي التي تحول المخلفات الزراعية إلى أسمدة حيوية.
أكد تقرير “كير” أن هذه التقنيات تسهم في تقليل خسائر ما بعد الحصاد، ورفع دخول المزارعين، وخفض الانبعاثات الكربونية، وتحسين الوصول إلى الغذاء الصحي.
واستعرض التقرير تجربة نورما هيرنانديز، المزارعة الصغيرة في هندوراس أحد دول أميركا الوسطي، التي بدأت استخدام جهاز للتحلل الحيوي بدعم من منظمة “كير”، ما ساعدها على خفض تكاليف الأسمدة والتخلص من دخان الطهي داخل المنزل، فضلًا عن توفير وقت أكبر لرعاية أطفالها ومساعدتهم في الدراسة.
أقرا أيضًا: وقود الطهي النظيف في أفريقيا صعب المنال.. تقضي النساء 4 ساعات يوميًا في جمع الحطب
ورغم نجاح هذه النماذج، شدد التقرير على أن المشكلة الأساسية لا تكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية المحيطة بها، والتي تعيق وصول النساء المزارعات إلى هذه الحلول والاستفادة منها.
النساء ينفذن نصف العمل الزراعي لكنهن الأقل حصولًا على الدعم
أوضح التقرير أن النساء يشكلن نحو 40% من القوى العاملة الزراعية عالميًا، ويتولين ما يقارب من نصف أعمال ما بعد الحصاد، إلا أنهن غالبًا آخر من يحصل على التكنولوجيا والتمويل وفرص الوصول إلى الأسواق.
وأشار إلى أن العديد من التقنيات الزراعية يجري تصميمها دون إشراك النساء المزارعات، ما يجعلها غير مناسبة لاحتياجاتهن الفعلية، وبالتالي تتراجع معدلات استخدامها.
كما أن أنظمة التمويل الزراعي التي تشترط ملكية الأراضي كضمان للحصول على القروض تستبعد عددًا كبيرًا من النساء، بسبب عدم امتلاكهن وثائق ملكية رسمية للأراضي الزراعية.
أضاف التقرير أن بعض التقنيات تزيد الأعباء الزمنية على النساء بدلًا من تخفيفها، ما يؤدي إلى فشل كثير من المبادرات رغم كفاءتها التقنية.
أكدت نتائج الدراسة أن الحلول الزراعية والغذائية تصبح أكثر نجاحًا عندما تقلل الأعباء الزمنية على النساء، وتوفر فرصًا اقتصادية حقيقية، وتضمن وجود طلب مستقر في الأسواق، إلى جانب إتاحة التمويل المناسب.
أقرا أيضًا:البنك الدولي: النساء المزارعات أفضل في زراعة محاصيل مغذية والري
دعم المزارعات من القطاع الخاص يعزز قدرة الأنظمة الغذائية

دعت منظمة كير القطاع الخاص إلى تأدية دور أكبر في تصميم وتمويل الحلول الزراعية، موضحة أن الشركات يجب ألا تقتصر أدوارها على التمويل فقط، بل يتعين أن تصبح شريكًا في تطوير الحلول وشرائها وتوسيع نطاقها.
وأكد التقرير أهمية تطوير التقنيات بالتعاون المباشر مع المزارعات وصاحبات المشروعات الصغيرة، والاستماع إلى تجاربهن واحتياجاتهن، إلى جانب توفير أدوات تمويل مرنة لصغار المزارعين.
كما شدد على ضرورة التزام الشركات بعقود شراء مستقرة تضمن وجود طلب سوقي دائم، بما يساعد على توسيع استخدام التقنيات الزراعية الحديثة.
وأشار التقرير إلى أن دعم النساء المزارعات وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد يمثلان مسارين مترابطين، وليس قضيتين منفصلتين، موضحًا أن هذه الاستثمارات تمثل “استثمارات بلا ندم”، لأنها تحقق فوائد فورية للمزارعين، وفي الوقت نفسه تعزز قدرة الأنظمة الغذائية على مواجهة الأزمات المستقبلية.
وسد الفجوة بين النساء المزارعات والموارد المتاحة لا يسهم فقط في تقليل هدر الغذاء، بل يساعد أيضًا على بناء أنظمة غذائية أكثر عدالة وقدرة على الصمود في مواجهة الأزمات الاقتصادية والمناخية المقبلة.
لمزيد من التفاصيل:

