تدفع تداعيات حرب إيران أسعار الأسمدة العالمية إلى مرحلة اضطراب حاد، قد تمتد انعكاساتها إلى موجة تضخم غذائي طويلة الأمد، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اختلال سلاسل الإمداد الزراعية وارتفاع تكاليف الإنتاج الغذائي عالميًا.
التأثير الأكثر للحرب في إيران لا يقتصر على أسواق الطاقة أو الشحن، بل يمتد إلى مدخلات الإنتاج الزراعي الأساسية، وعلى رأسها الأسمدة، ما يهدد بزيادة تدريجية في أسعار الغذاء خلال الأشهر المقبلة، مع اختلاف حدة التأثير بين الاقتصادات المتقدمة والناشئة بحسب تقرير صادر عن “كابيتال إيكونوميكس”.
تشير البيانات إلى أن الأسمدة النيتروجينية الأكثر استخدامًا عالميًا، زادت بنحو 50%، تأثرًا بالأحداث الجيوسياسية، نظرًا لاعتماد إنتاجها أساسًا على الغاز الطبيعي.
وقفز سعر اليوريا إلى نحو 700 دولار للطن، مقارنة بمستويات تراوحت بين 400 و490 دولارًا قبل اندلاع الحرب؛ بسبب تعطل كثير من منشآت الطاقة وإنتاج الغاز في عدد من الدول الرئيسة بمنطقة الشرق الأوسط.
وشملت الاضطرابات توقفًا في الإنتاج بإيران وإسرائيل، إلى جانب تأثر مصر، التي تُعد رابع أكبر مصدر عالمي لليوريا، ما أدى إلى خروج جزء كبير من الطاقة الإنتاجية من السوق العالمية في وقت قصير.
أقرا أيضًا: أسعار سماد اليوريا ترتفع إلى مستوى صادم في مناقصة هندية
قطر والصين تضيفان مزيدًا من القيود على أسعار الأسمدة
تفاقمت أزمة أسعار الأسمدة مع إعلان قطر تعليق إنتاج الأسمدة المرتبط بالغاز الطبيعي المسال، إلى جانب فرض الصين قيودًا على الصادرات؛ بهدف توفير تلك المنتجات لسوقها المحلية، ما قلّص من فرص تعويض النقص في المعروض العالمي.
وتشير التقديرات إلى أن نحو 15% من الإنتاج العالمي للأسمدة النيتروجينية يأتي من الشرق الأوسط، ما يجعل لأي اضطراب في المنطقة تأثير مباشر وسريع في الأسواق العالمية.

الأزمة تنتقل تدريجيًا إلى الغذاء
رغم حدة الصدمة في السوق جراء ارتفاع أسعار الأسمدة، فإن انتقال تأثيرها إلى الغذاء سيكون تدريجيًا، حيث تُقدّر المؤسسات الدولية أن نحو 45% من ارتفاع أسعار الأسمدة، ينعكس على أسعار الغذاء خلال مدة لاحقة.
وتتوقع “كابيتال إيكونوميكس” أن يبلغ التأثير التضخمي ذروته بعد نحو 15 شهرًا؛ نتيجة دورات الزراعة، وتراكم المخزونات الغذائية، وتأخر انتقال التكلفة إلى المستهلك النهائي.
اقرأ أيضًا: منتدى الرؤساء التنفيذيين الأفارقة: أزمة الأسمدة الحالية نداء إيقاظ للمنتجين بالقارة (خاص)
ويُتوقع ارتفاع محدود في أسعار الغذاء بالاقتصادات المتقدمة، بينما تظل الصورة أكثر قسوة في الاقتصادات منخفضة الدخل، حيث تشكل الأغذية ما يصل إلى 50% من سلة التضخم، ما يجعلها الأكثر عرضة للصدمات السعرية.
الدول المعتمدة على واردات الأسمدة الأكثر تضررًا
تشير التحليلات إلى أن الدول ذات القطاعات الزراعية الكبيرة، والتي تعتمد بصورة رئيسة على واردات الأسمدة، ستكون الأكثر تضررا، خاصة في أفريقيا وجنوب آسيا، في حين تتمتع دول مثل الصين وروسيا بدرجة أعلى من الاكتفاء الذاتي.
وتحذر تقارير دولية من أن ارتفاع تكاليف الإنتاج قد يدفع بعض الحكومات إلى زيادة الدعم الغذائي، ما يضع ضغوطًا إضافية على الموازنات العامة.
وإغلاق مضيق هرمز يضاعف الأزمة، إذ يُعد المضيق أحد أهم ممرات تجارة الأسمدة عالميًا، وتمر عبره نحو ثلث الشحنات الدولية، ما يجعل أي اضطراب فيه سببًا مباشرًا في تفاقم الأزمة.
وحذرت منظمات أممية من “اضطراب واسع في سلاسل الإمداد الزراعية”، مع تصاعد مؤشرات أزمة في القطاع الغذائي العالمي.
أقرا أيضًا:اضطرابات مضيق هرمز تضغط على أسعار الذرة والألبان في أميركا

خريطة جديدة للأمن الغذائي العالمي
رغم أن العالم شهد صدمة مماثلة في 2022 دون انهيار حاد في الإنتاج الزراعي، فإن الوضع الحالي يبدو أكثر تعقيدًا؛ بسبب الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة في الشرق الأوسط، واحتمالات استمرار القيود على الإمدادات لمدة أطول.
والأزمة تعيد تشكيل خريطة جديدة للأمن الغذائي العالمي، حيث لم تعد المخاطر مرتبطة بالإنتاج الزراعي فقط، بل أصبحت مدفوعة بشكل مباشر بأسواق الطاقة والغاز والجغرافيا السياسية، ما يعيد رسم خريطة الغذاء عالميًا خلال السنوات المقبلة.
لمزيد من التقاصيل:

