فرض اضطراب حركة التجارة عبر مضيق هرمز ضغوطًا على المزارعين الأميركيين، في وقت يمثل ذروة موسم الزراعة، وألقت التوترات المرتبطة بالحرب في إيران بظلالها على واحدة من أهم الأوقات في العام الزراعي، إذ تعطلت إمدادات الوقود والأسمدة، خاصة النيتروجينية، ما يؤثر سلبًا في أسعار الذرة والألبان.
يمثل مضيق هرمز نقطة عبور رئيسة لنحو ثلث تجارة الأسمدة المنقولة بحرًا على مستوى العالم، كما يمر عبره ما يقارب من ثلثي تجارة اليوريا البحرية عالميًا، وهي من أبرز الأسمدة الغنية بالنيتروجين المستخدمة في إنتاج محاصيل رئيسة مثل الذرة والخضروات.
وهذا الاعتماد الكبير على المضيق؛ جعل أي اضطراب فيه ينعكس سريعًا على الأسواق، حيث قفزت أسعار الأسمدة والوقود إلى مستويات مرتفعة، ما يزيد من الضغوط على المزارعين، خاصة في ظل تضخم قياسي وتحديات تجارية متفاقمة، وفق تقرير اطلعت عليه (غذاء ومناخ).
أقرا أيضًا: مزارعو التفاح والكمثرى في بريطانيا: هدنة الأسبوعين لحرب إيران متأخرة جدًا
اضطراب مضيق هرمز يمثل “عاصفة مثالية” تهدد الإنتاج الغذائي
وصفت مجموعة من اتحادات المزارعين والمنظمات الزراعية الوضع الحالي الناجم عن اضطراب مضيق هرمز بأنه “عاصفة مثالية” من التحديات، مشيرة إلى أن استمرار هذه الضغوط قد يهدد استدامة إنتاج الغذاء المحلي على المدى الطويل.
يؤكد مزارعون أن ارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج لم يعد مجرد تحدٍ مؤقت، بل تحول إلى عامل حاسم في تحديد القدرة على الاستمرار في النشاط الزراعي.

قفزة حادة في أسعار الأسمدة
قال كايل جور، مزارع فول صويا في ولاية مينيسوتا الأميركية، إن أسعار اليوريا ارتفعت بنحو 50% منذ بداية العام الحالي (2026)، وهو ما يضع العديد من المزارعين في موقف صعب، خاصة أولئك الذين لم يتمكنوا من تأمين احتياجاتهم مبكرًا.
أضاف جور إنه تمكن من شراء احتياجاته في يناير قبل تفاقم الأزمة، ما وضعه في موقع أقرب إلى “نقطة التعادل”، بينما يواجه آخرون احتمالات تسجيل خسائر مع بدء موسم الزراعة.
لم تتوقف آثار الأزمة عند المحاصيل، بل امتدت إلى قطاع تربية الماشية، حيث تعتمد هذه الصناعة بشكل كبير على الأعلاف المستخرجة من الذرة وفول الصويا.
أشار جور إلى أن ارتفاع تكاليف إنتاج هذه المحاصيل سينعكس لاحقًا على أسعار اللحوم، بما في ذلك الأبقار والخنازير، في تأثير متأخر لكنه حتمي، خاصة في ظل انخفاض أعداد الماشية وسعي المنتجين لإعادة بناء القطيع.
الوقود عبء جديد على المزارعين
يمثل ارتفاع أسعار الوقود تحديًا إضافيًا، إلى جانب الأسمدة، فتكلفة تشغيل المعدات الزراعية، التي تعتمد بشكل أساسي على الديزل، شهدت زيادة ملحوظة، ما يدفع المزارعين إلى مراقبة الأسعار بشكل يومي ومحاولة تأمين احتياجاتهم بأقل تكلفة ممكنة.
وفي هذا السياق، يؤكد جور أنه لم يتمكن بعد من شراء كامل احتياجاته من الوقود، وهو ما يزيد من حالة القلق المرتبطة بتقلبات الأسعار.
والارتفاع الكبير في أسعار الأسمدة قد يدفع بعض المزارعين إلى إعادة النظر في خطط الزراعة، من خلال تقليل المساحات المزروعة بالذرة، التي تتطلب كميات كبيرة من الأسمدة النيتروجينية، مقابل التوسع في زراعة فول الصويا الأقل اعتمادًا على هذه الأسمدة.
هذا التحول المحتمل قد يغير من توازنات الإنتاج الزراعي، ويؤثر بدوره في أسواق الغذاء والطاقة.

الوقود الحيوي يواجه أزمة أيضًا
جزء كبير من إنتاج الذرة وفول الصويا في الولايات المتحدة يُستخدم في صناعة الوقود الحيوي، وعلى رأسه الإيثانول، ومع ارتفاع أسعار النفط الخام جراء الحرب وإغلاق مضيق هرمز، زادت جاذبية الوقود المخلوط بنسبة 15% من الإيثانول، المعروف باسم “إي 15″، باعتباره خيارًا أقل تكلفة نسبيًا.
هذا التغير في أنماط الطلب يعكس الترابط الوثيق بين أسواق الطاقة والزراعة، حيث تؤدي تقلبات أحدهما إلى تأثير مباشر في الآخر.
بحسب المزارعين، فإن التأثيرات المباشرة للأزمة ستظهر أولاً في أسعار الوقود، قبل أن تمتد تدريجيًا إلى أسعار الغذاء.
ويؤكد جور أن المستهلك العادي سيبدأ بملاحظة هذه التغيرات عند محطات الوقود، في إشارة إلى أن الطاقة تمثل القناة الأسرع لانتقال تأثيرات الأزمة.

أصحاب مزراع الألبان يواجهون ضغوطاً غير مسبوقة
في ولاية فيرجينيا، يواجه بن سميث، وهو مزارع ألبان من الجيل الرابع، تحديات متصاعدة نتيجة ارتفاع أسعار الديزل، الذي تعتمد عليه مزرعته بشكل كامل في تشغيل الشاحنات والمعدات.
قال سميث إن استهلاك مزرعته الأسبوعي يصل إلى نحو 3 آلاف جالون من الوقود، وقد ارتفعت التكلفة بنحو دولارين للجالون خلال ستة أسابيع فقط، ما دفعه للبحث عن حلول تخزين إضافية لشراء كميات أكبر قبل استمرار الارتفاع.
أمام هذه الضغوط، بدأ بعض المزارعين في اللجوء إلى بدائل أقل تكلفة، مثل استخدام السماد العضوي الغني بالنيتروجين بدلاً من الأسمدة الصناعية.
ويشير سميث إلى أن مزرعته بدأت بالفعل في تصدير السماد العضوي إلى مزارع مجاورة، في خطوة تعكس تحولات غير تقليدية في أنماط الإنتاج الزراعي.
أقرا أيضًا:محلل: توقف بعض مزارعي الأرز في تايلاند عن زراعته
تأثيرات حتمية في الأسعار دون مكاسب للمزارعين
رغم توقع انتقال هذه الضغوط إلى المستهلكين في صورة ارتفاع أسعار الغذاء، يشير سميث إلى أن ذلك لا يعني بالضرورة تحقيق أرباح أعلى للمزارعين.
ففي كثير من الأحيان، ترتفع الأسعار في الأسواق النهائية، بينما تتراجع العوائد على مستوى المنتجين، نتيجة ارتفاع التكاليف.
ورغم التحديات، يبدي سميث تمسكه بمهنته، كونها الخيار الأفضل بالنسبة له، لكنه يقر في الوقت ذاته بوجود ضغوط كبيرة للحفاظ على استمرارية النشاط ونقله إلى الأجيال القادمة في وضع أفضل.

