تتلاقى قوتان من أكثر القوى تأثيرًا في صحة الأرض، هما أزمة تغير المناخ والتوسع الحضري، والأمر متروك لسكان الكوكب لاتخاذ قرار ما إذا كان هذا التصادم سيؤدي إلى كارثة أم فرصة للتعاون بهدف التغيير.
وقالت إيلينا سيلي، مديرة المحتوى، في مؤسسة فود تانك، في مقال، اطلعت عليه (غذاء ومناخ) إن العالم شهد مؤخرًا أكثر 3 أعوام حرارة على الإطلاق: 2023 و2024 و2025، إلى جانب تسجيل درجات حرارة قياسية للمحيطات خلال العام الماضي، في وقت يتزايد فيه عدد سكان العالم بوتيرة متسارعة داخل المدن.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 70% من سكان العالم سيعيشون في المناطق الحضرية بحلول عام 2030، ما يطرح سؤالًا محوريًا: هل يتحول هذا التقاطع إلى أزمة متفاقمة، أم إلى فرصة غير مسبوقة للتعاون وصناعة التغيير؟
بحسب خبراء، هذا التحول يضع أنظمة الغذاء والزراعة المحلية في موقع محوري لقيادة التحول نحو الاستدامة والتكيف مع تغير المناخ.
قال أنطونيو غوتيريش، الأمين العام السابق للأمم المتحدة، إن المدن عبر الاستثمار الجيد والتخطيط السليم، قادرة على خفض الانبعاثات الكربونية، والتكيف مع آثار تغير المناخ، ودعم سكانها بشكل مستدام.
وجبات مدرسية تكافح تغير المناخ
من خلال مبادرات مثل “ميثاق ميلانو للسياسات الغذائية الحضرية”، الذي وقّعت عليه أكثر من 330 مدينة حول العالم، تتبادل الحكومات المحلية الخبرات لبناء أنظمة غذائية أكثر عدالة واستدامة.
وفي هذا السياق، بدأت العديد من المدن في تطبيق نماذج عملية تعيد تشكيل العلاقة بين الغذاء والمناخ، وفق إيلينا سيلي، مديرة المحتوى، في مؤسسة فود تانك، في مقال.
أقرا أيضًا: المناخ يفاقم تضخم الغذاء في بريطانيا

وأطلقت مدينة سيول بكوريا الجنوبية، مبادرة لتقديم وجبات صديقة للمناخ داخل المدارس، بهدف رفع الوعي الغذائي لدى الطلاب وتعزيز الاستدامة في برنامج التغذية المدرسية.
وقالت الباحثة سيلجي سون، من جامعة يونسي بكوريا الجنوبية، إن الوجبات المدرسية الممولة من القطاع العام تعكس العدالة الاجتماعية، وفي الوقت نفسه تخلق طلبًا على المنتجات الزراعية المحلية المستدامة.
أقرا أيضا: الوجبات المدرسية تتعرض لضغوط تغير المناخ وارتباك مواسم الزراعة
وبدأت نيويورك، في إعطاء أولوية للوجبات النباتية في المدارس والمستشفيات، ضمن مبادرات مثل “الإثنين بلا لحوم”، ما أسهم في خفض انبعاثات الكربون بنسبة 36% خلال العام الأول فقط.
مدن أخري تتحرك لمواجهة هدر الغذاء
بمدينة ميلانو الإيطالية، أُطلق نموذج متكامل لمراكز الحد من هدر الغذاء، يهدف إلى تقليل الفاقد الغذائي إلى النصف بحلول 2030، مع استعادة ما يزيد على 260 ألف وجبة سنويًا في كل مركز.
أما في مدينة بالتيمور الأمريكية، تعمل مبادرات محلية على تقليل النفايات وتعزيز إعادة التدوير، إلى جانب خطة عشرية لإدارة النفايات العضوية والتوسع في التسميد المنزلي والمجتمعي.
الزراعة المستدامة في البرازيل والمكسيك تحمي الطبيعة
ساو باولو بالبرازيل، يربط برنامج “ربط النقاط” بين المنتجين العضويين والمشترين الحضريين، مع تدريب المزارعين على ممارسات زراعية مستدامة وحماية الأراضي من التوسع العمراني.
أما في سوتشيميلكو بمدينة مكسيكو سيتي، فقد أسهمت شراكات بين الباحثين والمزارعين والحكومة في استعادة أكثر من 40 مزرعة عائمة، وحماية سمكة “الأكسولوتل” المهددة بالانقراض، إلى جانب تحسين دخل المجتمعات المحلية.

سياسات محلية في كينيا تدعم الزراعة البيئية
في كينيا، بدأت مقاطعات عدة في تبني سياسات لتعزيز الزراعة البيئية، وتسهيل وصول المزارعين إلى الأسواق، في خطوة لدعم الأمن الغذائي المحلي.
اقرأ أيضًا: مكافحة هدر الغذاء في أفريقيا
ويخلص محللو برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية إلى أن التحديات المرتبطة بالضغط البيئي والتحضر السريع، رغم تعقيدها، تمثل في الوقت نفسه فرصة حقيقية للعمل المناخي داخل المدن.
في ضوء ذلك، يبدو أن مستقبل الكوكب لن يُحسم فقط في السياسات العالمية، بل أيضًا في الأحياء، والمدارس، والمزارع، وأنظمة الغذاء المحلية التي تبدأ منها التغييرات الكبرى.

