الأمن الغذائي العالمي مُهدد بزراعة الغابات مجددًاإزالة الغابات تُسهم في تغير المناخ - الصورة من براتينيكا

كشفت دراسة حديثة أن بعض أساليب مكافحة تغير المناخ الحالية؛ قد تهدد الأمن الغذائي العالمي خلال العقود المقبلة، كونها تفرض ضغوطًا متزايدة على إنتاج المحاصيل.

وأشارت الدراسة المنشورة في “نيتشر فود” إلى أن السياسات الرامية إلى خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، والحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض عند 1.5 درجة مئوية (أعلى من مستواها قبل الثورة الصناعية)، تتطلب تدابير تشمل تسعير الكربون، وفرض قيود على استخدام الأراضي الزراعية، وتوسيع نطاق الطاقة الحيوية، والتشجير، وكلها عوامل قد ترفع تكلفة الإنتاج الزراعي.

غير أن هذا التوجه يؤدي إلى خلق منافسة مباشرة على استخدام الأراضي، حيث يجري تحويل مساحات زراعية لإنتاج الطاقة أو التشجير بدلًا من إنتاج الغذاء، ما قد يرفع تكاليف الإنتاج الزراعي ويؤدي إلى زيادة أسعار الغذاء عالميًا.

تهديد الأمن الغذائي العالمي وعشرات الملايين من الجوعى

قدرت الدراسة، أن السياسات المناخية الصارمة قد تؤدي إلى زيادة عدد الأشخاص المعرضين لخطر الجوع بنحو 61 مليون شخص بحلول عام 2050، نتيجة تقلص الأراضي الزراعية، وارتفاع تكاليف الإنتاج.

وفي سيناريو استمرار الوضع الراهن، تتوقع الدراسة أن يُعرّض تغير المناخ 9.6 مليون شخص إضافي لخطر الجوع على مستوى العالم بحلول عام 2050، مقارنةً بسيناريو عدم حدوث تغير مناخي.

ومن هذه الزيادة، يتعرض 7.5 مليون شخص إلى التأثيرات المناخية المباشرة، بينما يتأثر 2.1 مليون شخص بارتفاع مستويات الأوزون الذي يُقلل من إنتاجية المحاصيل، ويرفع أسعار الغذاء، ويُحدّ من توافره.

في هذا السياق العالمي المعقد، تقدم تجربتا إندونيسيا والبرازيل نموذجين متناقضين في إدارة الغابات الاستوائية وعلاقتهما بالسياسات التنموية والمناخية.

أقرا أيضًا: إزالة الغابات تتفاقم بسبب زيت النخيل.. خامة إنتاج في زبدة الفول السوداني والماسكارا

44% من إزالة الغابات في إندونيسيا تقع داخل امتيازات صناعية مرخصة
44% من إزالة الغابات في إندونيسيا تقع داخل امتيازات صناعية مرخصة – الصورة من موقع تراب باغ

إندونيسيا تشهد توسع زراعي وتعديني يدفع الغابات للانكماش

تشهد إندونيسيا ارتفاعًا حادًا في معدلات إزالة الغابات، حيث زادت بنسبة 66% خلال عام 2025، مقارنة بالعام السابق (2024)، لتصل إلى 433.7 ألف هكتار، وهو أعلى مستوى خلال 8 سنوات، وفق بيانات منظمة “أوريغا نوسانتارا”.

ويرتبط هذا الارتفاع بعدة عوامل، أبرزها: التوسع في برنامج “المزارع الغذائية العملاقة” الذي يهدف لتعزيز الأمن الغذائي وأمن الطاقة، إذ خصصت الحكومة أكثر من 20 مليون هكتار لهذا البرنامج، وتشير البيانات إلى أن نحو 78.2 ألف هكتار من الغابات أُزيلت داخل المناطق المخصصة له خلال عام 2025، بما يمثل نحو 18% من إجمالي إزالة الغابات في البلاد.

وتبرز منطقة بابوا كأحد أكثر المناطق تأثرًا، مع ارتفاع إزالة الغابات فيها بنسبة 348%، خلال عام واحد، مدفوعة بمشروعات زراعة الأرز وقصب السكر المرتبطة بالبرنامج.

يضاف إلى ذلك توسع قطاع التعدين، خصوصًا النيكل المستخدم في بطاريات المركبات الكهربائية، إضافة إلى توسع زراعة نخيل الزيت التي تتجه شرقًا نحو بابوا مع تراجع الأراضي المتاحة في المناطق التقليدية.

وتشير البيانات إلى أن 44% من إزالة الغابات في إندونيسيا تقع داخل امتيازات صناعية مرخصة، تشمل الزراعة والتعدين ومزارع النخيل، ما يعكس ارتباطًا مباشرًا بين النشاط الاقتصادي وفقدان الغابات.

البرازيل تحد من فقدان الأمازون بتشديد الرقابة

على الجانب الآخر، تسجل البرازيل اتجاهًا معاكسًا، حيث تراجعت إزالة الغابات في الأمازون بنسبة 11.1% خلال عام 2025، لتصل إلى 579.6 ألف هكتار، وهو أدنى مستوى منذ أكثر من عقد.

ويُعزى هذا التراجع إلى تشديد الرقابة البيئية وتعزيز إنفاذ القوانين ضد الأنشطة غير القانونية داخل الغابات، في إطار سياسات الحكومة الحالية بقيادة الرئيس لويز إيناسيو لولا دا سيلفا.

ويعكس هذا المسار أهمية الدور الحكومي في ضبط أنشطة إزالة الغابات، مقارنة بالنموذج الإندونيسي الذي تشهد فيه الغابات ضغوطًا متزايدة نتيجة توسع المشروعات التنموية والاقتصادية.

أقرا أيضًا: إزالة الغابات في سومطرة يحول أمطار إندونيسيا الاستوائية إلى كارثة

تراجع ازالة الغابات في البرازيل
تراجع ازالة الغابات في البرازيل – الصورة من موقع ذا إندبندنت

أقرا أيضًا: استرداد الغابات البرازيلية بفريق الحافظة الروحية للمعارف المتوارثة

الاختيار صعب لصناع القرار بين الأمن الغذائي ومكافحة تغير المناخ

تكشف تجربتا إندونيسيا والبرازيل عن معادلة معقدة تواجه الدول الغنية بالغابات الاستوائية، حيث تتداخل أهداف خفض الانبعاثات وحماية المناخ مع متطلبات الأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية.

فبينما تعتمد إندونيسيا على التوسع في الزراعة والطاقة والتعدين لدعم النمو، تتجه البرازيل إلى التشديد البيئي للحد من فقدان الغابات.

ويؤكد خبراء أن مستقبل الغابات الاستوائية سيتحدد بقدرة الحكومات على تحقيق توازن بين التنمية الاقتصادية وحماية النظم البيئية، في ظل تصاعد الضغوط المناخية والغذائية عالميًا.

مزيد من التفاصيل: