تتزايد الدعوات إلى النظم الغذائية، وجعلها محورًا رئيسا للجهود العالمية الرامية إلى مواجهة تغير المناخ، كونها تمثل أحد أكثر المجالات تأثرًا بتداعيات هذه الأزمة، وفي الوقت نفسه أحد أكثر القطاعات قدرة على تحقيق تقدم سريع وملموس في جهود إزالة الكربون.
ومع انطلاق أسبوع لندن للعمل المناخي، برزت مطالب بالتركيز على الإجراءات العملية القادرة على تحقيق نتائج ملموسة في خفض الانبعاثات وتعزيز مرونة الاقتصادات والمجتمعات.
وارتفاع أسعار الغذاء أو تعطل الإمدادات أو زيادة الهدر الغذائي ينعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين، ما يجعل إصلاح النظم الغذائية أولوية اقتصادية وبيئية في آن واحد.
وتؤكد الرؤى المطروحة خلال الفعاليات المناخية، التي انتهت الأسبوع الماضي، أن نجاح سياسات المناخ يتطلب التركيز على القطاعات ذات التأثير الأكبر بدلًا من توزيع الجهود على عدد كبير من المبادرات المتفرقة، وفق تقرير اطلعت عليه “غذاء زمناخ”.
التركيز على تأثير النظم الغذائية
تبرز عمليات التصنيع الغذائي والتعبئة والتغليف والتوزيع كحلقات رئيسة داخل سلسلة الإمداد الغذائي يمكن من خلالها تحقيق مكاسب بيئية ملموسة، إلى جانب الحد من الفاقد وتحسين كفاءة استخدام الموارد.
تشير بيانات قطاع الصناعات الغذائية إلى أن تحديث المعدات والبنية التحتية القائمة يمكن أن يسهم بشكل كبير في خفض الانبعاثات وتقليل استهلاك الموارد الطبيعية.
أظهرت دراسة مستقلة حول صناعة الألبان أن تحديث معدات المعالجة الحالية قد يؤدي إلى خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة تتراوح بين 40% و49%، إلى جانب تقليص استهلاك المياه بنحو 45% وخفض فاقد المنتجات بأكثر من 50%.
أقرا أيضًا: شركات البروتينات البديلة تواجه مأزقًا يدفعها لخفض الوظائف

التعبئة والتغليف جزء من الحل
يسلط الخبراء الضوء على الدور المتنامي للتعبئة والتغليف في الحد من الهدر الغذائي وخفض البصمة الكربونية للمنتجات الغذائية، فالتغليف الفعال لا يقتصر على حماية المنتجات وإطالة مدة صلاحيتها، بل يساعد أيضًا على تقليل الفاقد خلال عمليات النقل والتوزيع.
تشير تقييمات بيئية إلى أن بعض أنواع العبوات المعتمدة بشكل أساسي على الورق قد تسهم في تقليل الأثر المناخي مقارنة بالبدائل الأكثر اعتمادًا على المواد المشتقة من الوقود الأحفوري، خاصة في المنتجات سريعة التلف مثل الحليب.
أقرا أيضًا: مبيعات الأغذية العضوية في ألمانيا تتفوق على التقليدية
الاقتصاد الدائري وتعزيز الاستدامة
يؤكد المختصون أن نجاح التحول نحو اقتصاد دائري في قطاع الغذاء يتطلب أكثر من مجرد تطوير تصميم العبوات، إذ يعتمد أيضًا على توافر أنظمة فعالة لجمع المخلفات وفرزها وإعادة تدويرها، إضافة إلى أطر تنظيمية واضحة تضمن استدامة هذه المنظومة على المدى الطويل.
في هذا الإطار، تتجه السياسات الأوروبية بشكل متزايد نحو دعم البنية التحتية اللازمة لإعادة التدوير وتعزيز الاستثمارات في التقنيات التي تسمح بإعادة استخدام المواد، والحفاظ على قيمتها داخل الدورة الاقتصادية.
السياسات الحكومية مفتاح التحول
يرى مراقبون أن الحكومات تمتلك دورًا حاسمًا في تسريع وتيرة التحول نحو النظم الغذائية الأكثر استدامة، من خلال توفير أطر تنظيمية مستقرة وتشجيع الاستثمارات في تحديث المصانع ومرافق المعالجة والتعبئة.
كما أن ربط أهداف خفض الانبعاثات بخطط تحديث البنية التحتية الغذائية يمكن أن يحقق مكاسب مزدوجة تتمثل في تعزيز الأمن الغذائي وتقليل الأثر البيئي في الوقت نفسه.
مع بدء تطبيق توجيهات أوروبية جديدة تتعلق بمرونة البنية التحتية الحيوية، تبرز فرصة لتعزيز موثوقية منظومة الغذاء وربطها بأهداف الاستدامة المناخية على المدى الطويل.

أقرا أيضًا:منظومة الغذاء في أوروبا تتحرك ببطء نحو الاستدامة (دراسة)
نقطة انطلاق لتحقيق أهداف المناخ
في الوقت الذي تتزايد فيه الضغوط لتحقيق تقدم ملموس في ملف المناخ، تتجه الأنظار إلى النظم الغذائية بوصفها أحد أكثر المسارات واقعية لتحقيق نتائج يشعر بها المواطنون بشكل مباشر، سواء من خلال استقرار الأسعار أو تعزيز أمن الإمدادات أو الحد من الانبعاثات.
يجمع خبراء القطاع على أن بناء نظم غذائية أكثر كفاءة واستدامة قد يمثل نقطة الانطلاق نحو تحقيق أهداف المناخ، مؤكدين أن نجاح السياسات المستقبلية سيقاس بقدرتها على تحقيق نتائج عملية تتجاوز حدود التعهدات والطموحات النظرية.
مزيد من التفاصيل:

